تتحرك السياسة الدولية وفق منطق “الواقعية السياسية” حيث لا عداوة دائمة بل مصالح مستمرة. يمثل هذا المبدأ الجوهر الخفي للعلاقة بين واشنطن وجماعة الحوثي؛ فرغم شعارات الموت لأمريكا والغارات الجوية الأمريكية و”تحالف الازدهار” في البحر الأحمر، تظل الجماعة في المنظور الاستراتيجي الغربي ﴿ورقة ضغط نموذجية﴾ لإبقاء دول الخليج تحت المظلة الأمنية الأمريكية، وضمان توازن قوى يمنع استقلال المنطقة بقرارها السياسي والاقتصادي.
كان “اتفاق استكهولم” 2018 الطوق الدولي “الغربي” الذي أنقذ الحوثي عند أسوار الحديدة لمنع حسم عسكري وشيك، واليوم يتكرر المشهد ذاته تحت مسميات التهدئة والاحتواء الذكي.
وإذا طلبت الدولة الإقليمية القائدة للتحالف من أمريكا قيادة مواجهة عسكرية حاسمة لإسقاط الحوثيين، فإن واشنطن لن تقبل بالقضاء عليهم مطلقاً.
قد توافق الإدارة الأمريكية على قيادة حملات استنزاف أو ضربات جوية مكثفة تحت بند “التأديب وضبط السلوك” لجني مكاسب مالية وسياسية هائلة من حلفائها في الجوار، لكنها ستضع سقفاً سياسياً وعسكرياً صارماً يمنع انهيار الجماعة بشكل كامل.
ينبع هذا الرفض من خشية واشنطن العميقة من حدوث فراغ أمني وفوضى عارمة قد تملؤها تنظيمات متطرفة مثل القاعدة وداعش، أو صعود قوى إسلامية سنية كحزب الإصلاح لا تثق بها الدوائر الغربية، لذا يظل الحوثي كـ ﴿عدو منضبط﴾ خياراً مفضلاً لترتيباتهم.
أمام هذا المشهد تبدو رهانات ما يسمى “الحكومة الشرعية” والتحالف معقدة ومقيدة بالخطوط الحمراء الدولية؛ فالشرعية اليمنية بمختلف مكوناتها لا تملك اليوم قرار إعلان حرب شاملة لإسقاط الحوثيين، وهي رهينة الإملاءات والتعليمات الأمريكية البريطانية التي تفضل خيار “التسوية والمحاصصة” على خيار الحسم العسكري الجذري.
يضع هذا الشلل قوى الداخل في موقف التابع الحذر بانتظار تفاهمات الكواليس الدولية التي غالباً ما تضحي بطموحات الشعوب مقابل استقرار مصالح الدول الكبرى في الممرات المائية.
يرتبط مستقبل اليمن بمسارين معقدين ومصيريين:
- في وجود الحوثي: سيتجه اليمن نحو “الشرعنة الدولية لسلطة الأمر الواقع” في صنعاء مع بقاء هدنة هشّة تتخللها صفقات اقتصادية وتجارية تحت الطاولة، مما يكرّس تقسيماً طائفياً واقتصادياً طويلاً يعزل اليمن عن محيطه العربي.
- في غياب الحوثي: قد يدخل اليمن في فوضى عارمة وسلسلة من الصراعات الداخلية الدامية وتصفية حسابات مريرة بين مراكز القوى القبَلية والعسكرية التقليدية، ما لم يتشكل بديل وطني مدني ومنظم يحظى بقبول محلي وإقليمي واسع.
وسط هذا الركام والتمزق، تسير قضية الجنوب نحو حتمية الاستقلال وفك الارتباط؛ فاستمرار سيطرة الحوثي الطائفية على الشمال يمنح القوى الجنوبية المطالبة بالاستقلال (كالمجلس الانتقالي) مشروعية سياسية وقانونية أقوى لفرض استعادة الدولة، نظراً لغياب أي قاسم مشترك أو هوية جامعة مع سلطة صنعاء.
لكن هذا المسار الجنوبي سيظل محكوماً بالخطوط الحمراء الدولية التي تخشى المساس بباب المندب وممرات الملاحة الاستراتيجية، مما يجعل نيل الاستقلال الكامل مرهوناً بقدرة الجنوبيين على تقديم أنفسهم كشريك أمني واقتصادي موثوق وثابت للمجتمع الدولي بمعزل عن مستنقع حسابات اليمن المعقدة.
