في زحام الأرقام والنسب المئوية تولد أحياناً قصص إنسانية تُبكي القلوب وتكشف عورات البيروقراطية الجافة.

 لطالما كانت محافظة المهرة واحة أمان وملجأً لكل مكلوم، وفي مدارسها ترعرعت الطالبة السورية رؤى محمود شيخ محمد. صاغت رؤى من غربة وطنها وشقاء اللجوء حافزاً للتميز، وخطّت بجدّها وسهرها ملحمة نجاح استثنائية تكللت بحصولها على معدل مبهر يضعها بجدارة في صدارة المحافظة وبالمركز الأولى للجمهورية .

لكن الفرحة لم تدم؛ فمع إعلان قوائم الشرف، صُدم الجميع بغياب اسم هذه النجمة الساطعة عن منصات التتويج.

 استُبعدت رؤى وحُرمت من حقها الأدبي في إعلان تفوقها، وحلّت مكانها طالبة أخرى بمعدل أقل تحت مبرر بائد وصادم للوجدان: “إنها طالبة وافدة ولا تحمل الجنسية اليمنية”! لكن النجاح ليس له جنسية.

جاء التبرير الرسمي من وزارة التربية والتعليم متذرعاً بـ “اللوائح والأنظمة الرتيبة” التي تحصر قوائم الأوائل الرسمية على المواطنين فقط لدواعي توزيع المنح.

لكن هذا العذر البيروقراطي لم يزد الموقف إلا قتامة؛ فالكفاءة والتفوق لا يعرفان جواز سفر، وهزيمة الإبداع خلف قضبان القوانين الجامدة يُعد طعنة في خاصرة التميز العلمي والإنساني، لاسيما لطالبة ولدت وعاشت كل فصول دراستها في محافظة المهرة.

لقد أثارت دمعة رؤى خضة وعي عارمة، وتفجرت موجة تضامن شعبي ورسمي واسع تخطت الحدود؛ فالشارع اليمني الأصيل، الذي لطالما قوبل أبناؤه المغتربون بالتكريم والاحتفاء في مهجرهم، رفض هذا الإقصاء المجحف.

 وانبرت الأصوات النيابية والحقوقية لتطالب بإنصافها وتكريمها بما يليق بعقلها الفذ.. إن تفوق رؤى هو انتصار للمهرة وللبلد أولاً، وقصتها تُذكرنا بأن تكريم المبدع واجب أخلاقي وإنساني يعلو فوق كل النصوص واللوائح الميتة.