في حياة الشعوب محطات فارقة، منها ما يؤرخ لنهضة ونماء، ومنها ما ينكأ جراحاً غائرة لا يمحوها تقادم السنين. واليوم، نقف أمام تاريخ السابع من يوليو ليعيد إلى الأذهان ذكرى أليمة؛ يوم اجتياح الجنوب في صيف عام 1994 ميلادية، ذلك اليوم الذي لم يكن مجرد انكسار عسكري، بل كان صدمة وجودية لشعب بأكمله ذهب نحو الوحدة بنوايا بيضاء وقلوب مفتوحة قبل الأيادي.

حين قرر الجنوبيون السير نحو الوحدة في مايو من عام 1990، لم يذهبوا مكرهين ولا طامعين، بل اندفعوا بصدق قومي تترجمه التنازلات التاريخية الجسيمة؛ إذ تنازل الجنوب عن كرسي الرئاسة، وعن العاصمة التاريخية، وعن العملة، والعلم، والمؤسسات، وسيادة دولة بأكملها. كان دافعهم في ذلك ظناً راسخاً بأن الوحدة ستكون مظلة للخير، والأمن، والازدهار لليمن والجنوب العربي على حد سواء، واعتقدوا أنهم يحتضنون إخوة يشاطرونهم ذات الحلم النبيل.

لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن النوايا الصادقة. فبدلاً من الشراكة والعدالة، تحولت الوحدة سريعاً إلى مسار مغاير تماماً، وتوالت الحروب الظالمة لفرض الواقع بالقوة. فمن حرب صيف 1994 التي دمرت أسس الشراكة، مروراً بحرب صيف 2015، وصولاً إلى المعارك والانتهاكات المتلاحقة التي لم توفر الشجر ولا الحجر، قدم الجنوب خلالها عشرات الآلاف من الشهداء الأبرار الذين سقت دماؤهم أرضهم الطاهرة دفاعاً عن كرامتهم.

ولم تقف المأساة عند حدود الجبهات، بل امتدت لتطال سبل العيش والهوية الاقتصادية والاجتماعية للجنوب؛ حيث سُرّح أكثر من 60 ألف موظف وعسكري ومدني من وظائفهم قسراً، وتُرك الملايين يواجهون شظف العيش والتشريد، ودُمّرت وأُغلقت أكثر من 150 منشأة ومصنعاً كانت تشكل عصب الاقتصاد الجنوبي والدولة المؤسسية. وبدلاً من أن يجني أبناء الجنوب العربي ثمار هذا الاندماج خيراً واستقراراً، وجدوا أنفسهم يواجهون سيلًا من الخسائر المادية والمعنوية، وفقداناً للأرواح والوظائف، وتجريفاً لكل ما هو جميل ومنظم في أرضهم، ليحصدوا في نهاية المطاف الويل، والفساد، والإقصاء.

إن السابع من يوليو ليس مجرد ذكرى عابرة في الرزنامة، بل هو تذكير دائم بضريبة النوايا الصادقة حين تواجه آلة الإقصاء، وهو في الوقت ذاته تأكيد على أن إرادة الشعوب الحية لا تموت بالحروب، ولا تُمحى بالتقادم، وأن الحقوق المشروعة تظل حية في صدور أصحابها مهما بلغت التضحيات.

**عدن 5يوليو 2026