في مدينة عدن، حيث يمتزج الملح بالحرارة، وحيث لا تزال الكهرباء ترفض أن تكون حقاً طبيعياً لمواطن أنهكه الصيف، نعيش مفارقة سريالية لا يصدقها عقل. مشهد يتكرر يومياً: أسرٌ تقضي لياليها في عتمة خانقة، وكائنات ليلية تترقب نسمة هواء باردة، يغالب فيها الأطفال خوفهم من الظلام وحرارة الجسد، بينما تخرج في الصباح التالي جموع تهتف وتفوض وتطالب، في مشهد يثير في النفس تساؤلاً وجودياً ومؤلماً: كيف يستقيم أن نصرخ من أجل السياسة بينما نبتلع ألسنتنا أمام سلاخ كرامتنا اليومية؟

عجز أم تخدير؟

إن تحول الشعب إلى ما يشبه الكائنات الليلية التي تتأقلم مع انعدام الخدمات ليس دليلاً على الصبر بقدر ما هو مؤشر على حالة من التخدير الجماعي. حين يعجز المواطن عن المطالبة بالضوء في منزله، كيف يمكننا أن نثق في قدرته على انتزاع الوطن في الميادين؟

إن التاريخ يعلمنا أن الأمم التي تنهض هي التي تبني مواقفها السياسية الكبرى على قاعدة صلبة من الحقوق الأساسية. فلا كرامة لسياسة لا تبدأ من سقف البيت، ومن رغيف الخبز، ومن نور المصباح.

مفارقة التفويض

إن خروج الجماهير في مليونيات لتفويض القيادة، بينما عاصمة البلاد تغرق في ظلام دامس، يضعنا أمام فرضية صادمة: هل تحركنا في الميادين إرادة وطنية حقيقية، أم أننا نتحرك بـ”ريموت كنترول” التبعية؟

إن الوطن الذي لا ينتفض فيه الإنسان لانتهاك كرامته داخل أربعة جدران، هو وطن سيبقى دائماً رهينة لقرارات الآخرين، ولن تكون أصواتنا في الساحات سوى صدى لأصوات لا تشعر بحرارة العتمة التي تنهش أجساد أطفالنا.

الكرامة لا تتجزأ

يجب أن ندرك أن المطالبة بالحقوق ليست تعدياً على السياسة، بل هي أصل السياسة. ومن يخشى قول كلمة حق في وجه مسؤول عن ساعة كهرباء، لن يجرؤ على قولها في وجه مشروع سياسي أو قيادة.

إن الكرامة لا تتجزأ؛ فمن لم ينتفض لأجل كرامة أطفاله في عتمة البيت، لن يجد في قلبه نبضة كرامة حقيقية يبني بها وطناً.

حان الوقت لإعادة ترتيب الأولويات، فالبداية ليست دائماً من الميادين، بل تبدأ من قدرتنا على رفض الظلام بكافة أشكاله، سواء كان ظلاماً في الأسلاك أو ظلاماً في العقول.