*- شبوة برس – خاص
يرى محرر “شبوة برس” أن حديث رشاد العليمي الأخير عن عدالة القضية الجنوبية والحوار وحقوق الجنوبيين لا يمكن قراءته بمعزل عن تاريخه السياسي والأمني، ولا عن الدور الذي نُسب إليه خلال سنوات صدام السلطة مع الجنوب والحراك الجنوبي. فالكلمات الناعمة لا تمحو الذاكرة، ولا تستطيع أن تجعل الجنوبيين ينسون من كانوا في مواقع القرار عندما كان الجنوب يدفع أثماناً باهظة من الدم والقمع.
العليمي يتحدث اليوم عن “قضية جنوبية عادلة”، وهي عبارة تبدو جذابة إعلامياً، لكنها لا تكفي لإقناع الجنوبيين. فالسؤال الذي يطرح نفسه: إذا كانت القضية عادلة فعلاً، فلماذا يجري الحديث عنها داخل إطار “الحل الشامل” و”استعادة الدولة”، بدلاً من الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي بأنفسهم؟
والأخطر أن الرجل يتحدث عن الحوار الجنوبي وكأنه مدخل لمعالجة القضية، بينما يرى محرر “شبوة برس” أن الحوار لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لإعادة صياغة القضية بما يتناسب مع سقف السلطة، أو إلى محاولة لتفتيت الموقف الجنوبي وإعادة إنتاج الوصاية عليه.
أما ذاكرة الجنوبيين تجاه العليمي، فهي أعمق من خطاب الرياض الأخير. فقد ارتبط اسمه خلال مرحلة نظام علي عبدالله صالح بالملف الأمني والسياسي في الجنوب، وهو ما يجعل ظهوره اليوم بصفة المتحدث عن العدالة الجنوبية موضع تساؤل سياسي وأخلاقي كبير.
وتزداد هذه التساؤلات عند استحضار ما أورده الشيخ طارق الفضلي في مقابلة سابقة مع قناة “اليمن اليوم”، وما ورد في وثيقة بحثية منشورة لاحقاً منسوبة إلى تلك المقابلة، بشأن لجنة قيل إنها شُكلت لمواجهة الحراك الجنوبي وضمّت علي محسن الأحمر وغالب القمش وأحمد درهم ورشاد العليمي. وهذه رواية ينبغي التعامل معها باعتبارها اتهاماً منسوباً إلى الفضلي، لا حكماً قضائياً مثبتاً. ([المجلس الأعلى لإدارة الشؤون الإسلامية][1])
ومن هنا فإن حديث العليمي عن “العدالة” لا يستطيع، في نظر المحرر، أن يلغي أسئلة الماضي، ولا أن يمحو ذاكرة الجنوب تجاه سنوات القمع والاغتيالات والاعتقالات، ولا خصوصاً ما ارتبط بأحداث المعجلة في أبين التي لا تزال من أكثر الوقائع إيلاماً في الذاكرة الجنوبية.
كما أن الحديث عن حضرموت وحقوقها في مواردها، رغم أهميته، يبقى ناقصاً إذا لم يترافق مع الاعتراف بحق أبناء الجنوب في امتلاك قرارهم السياسي وإدارة أرضهم وثرواتهم بأنفسهم. فحضرموت ليست مجرد “حصة من النفط”، والجنوب ليس مجرد ملف إداري داخل دولة يريد العليمي استعادتها.
وجهة نظر المحرر واضحة: الجنوبيون ليسوا بحاجة إلى خطاب منمق عن العدالة يصدر عن شخصيات ارتبطت في ذاكرتهم السياسية بمرحلة من القمع والصراع. المطلوب هو موقف سياسي صريح يحترم إرادة شعب الجنوب، ويترك له حق تحديد مستقبله دون وصاية أو التفاف أو هندسة سياسية مسبقة.
ولهذا فإن محاولة تقديم العليمي اليوم بصورة الراعي للقضية الجنوبية لن تمر بسهولة على الجنوبيين. فالذاكرة السياسية لا تُمحى بالمؤتمرات الصحفية، والقضايا الوطنية لا تُحل بتغيير المفردات. وما لم ينتقل الخطاب من الاعتراف اللفظي بالقضية إلى الاعتراف بحق أصحابها في تقرير مصيرهم، فستظل تصريحات العليمي، في نظر كثير من الجنوبيين، مجرد محاولة جديدة لإدارة القضية لا حلها.
