بين عامي 1971 و1977 زاملتُ على مقاعد الدراسة الاعدادية والثانوية طالباً ذكيا هادئاً وطموحاً هو اليوم الدكتور علي حسن الأحمدي. لم نكن نتوقع حينها أن تقلبات السياسة ستقود زميلنا ليتولى رئاسة جهاز “الأمن القومي” في أكثر فترات اليمن حرجاً.
واليوم وأنا أتابع بعض المقابلات المدوية في برنامج “اليمن بودكاست” وجدتني أمام منصة تحولت إلى محاكمة تاريخية علنية تبدد ضباب الشائعات حول سقوط صنعاء و”خروج الحكومة عن الخدمة” في سبتمبر 2014.
إختراق أمني خطير:
تكتسب شهادة الدكتور الأحمدي قيمتها من كونه كان يمسك بخيوط الدفاع الاستخباراتي الأول للبلاد في لحظة مفصلية من تاريخها.. والصدمة الحقيقية في حديثه تجسدت في نقطتين:
– الخلايا النائمة داخل جهاز الأمن: اعترف الأحمدي باختراقات حوثية منظمة داخل جهاز الأمن القومي نفسه! حيث كان موظفون وضباط يتقاضون رواتبهم من الحكومة ،لكن ولاءهم العقائدي يتجه صوب “صعدة” مما جعل خطط الدولة كتاباً مفتوحاً أمام المليشيات الحوثية.
– شلل الإرادة السياسية: أكد الأحمدي أن الجهاز رفع تقارير استخباراتية دقيقة ومستمرة لرئيس الجمهورية آنذاك (المرحوم عبد ربه منصور هادي)، تحذر بالأسماء والوقائع من زحف الحوثيين والتمدد الإيراني.
لكن هذه التحذيرات كما ورد، واجهت بروداً سياسياً وحسابات خاطئة ظنت أن بإمكانها ضرب الخصوم ببعضهم.. فكانت النتيجة سقوط الجميع تزامناً مع ليلة الانهيار والهروب الكبير.
السيادة المغيبة في مقابلات أخرى:
لتكتمل الصورة تقاطعت شهادة الدكتور الأحمدي الأمنية مع اعترافات سياسية نارية في “البودكاست” أبرزها لعبد العزيز جباري (مستشار الرئيس الأسبق)، وسالم الخنبشي (محافظ حضرموت):
– إدارة القرار بالريموت: كشف جباري بمرارة كيف تحولت النخبة السلطوية في الخارج إلى مجرد واجهة لقرارات تُطبخ إقليمياً دون علمها، مستشهداً بضغوط كواليس “اتفاق الرياض” وحتى تشكيل “مجلس القيادة”.
– تقاسم الفشل والخدمات: أوضح الخنبشي كيف تُدار الملفات الحياتية كالكهرباء والنفط كأوراق ضغط سياسي متبادل بين أطراف مجلس القيادة الرئاسي مما أبقى البلاد في ارتهان دائم.
صحوة ضمير أم تبرئة ساحة؟:
تضعنا هذه القراءة أمام تساؤل جوهري:
هل هذه الاعترافات المتأخرة صحوة ضمير لتوثيق الحقيقة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ أم محاولة من مسؤولي تلك الحقبة لتبرئة أنفسهم وتوزيع صكوك الفشل على الآخرين؟
أياً كانت النوايا تثبت اللقاءات أن البلاد لم تسقط لغياب اليقضة والمعلومة الاستخباراتية، بل لأن “العقل السياسي” الذي أدار البلاد كان يعيش في غيبوبة، دفع ثمنها شعبٌ كامل أصبح يبحث عن لقمة عيشه ناهيك عن البحث دولة.
