تحركات إقليمية لإعادة ترتيب الأوراق، وتبدل في موازين القوى العسكرية والاقتصادية

يمر الجنوب اليوم بمنعطف تاريخي حاسم يعيد تشكيل خارطة التحالفات وموازين القوى على الأرض. فبين طموحات المكونات المحلية، والمصالح الإقليمية، والضغوط الدولية، يقع الجنوب في قلب “دوامة” معادلة معقدة تبحث عن استقرار مستدام ينهي سنوات من التشرذم والصراع ويؤسس لمرحلة جديدة من السلام.

إعادة تشكيل المشهد السياسي:

لم تعد القضية الجنوبية حكراً على رؤية أحادية أو فصيل بعينه، بعد احداث يناير 2026 تشهد الساحة حراكاً مكثفاً تدفعه رعاية إقليمية واضحة “السعودية” لدعم مسار التعددية والشراكة.

 وتتسارع الجهود الدبلوماسية لدمج وتوحيد كافة المكونات السياسية والاجتماعية في إطار تفاوضي جامع يمنع انفراد أي طرف بالقرار. في المقابل يتأرجح الطموح السياسي في الشارع الجنوبي بين خيارين؛ تيار يرى في العودة إلى حدود ما قبل عام 1990 وحل الدولتين الضمانة الوحيدة للاستقرار الإقليمي وهي الغالبية العظمى، وتيار آخر يضغط باتجاه صياغة شراكة وطنية واسعة تضمن حقوق الجنوب ضمن تسوية شاملة تنهي الحرب.

الميدان العسكري وتبدل مراكز النفوذ:

على الصعيد الميداني، فرضت التحركات الأخيرة واقعاً جديداً غير الكثير من الحسابات الاستراتيجية.. فقد شهدت مناطق حيوية مثل المهرة وسيئون والمكلا في محافظة حضرموت إعادة تموضع بارز، تمثل في تعزيز قوات درع الوطن وقوات الطوارئ لسيطرتها بدعم وإسناد سعودي مباشر. هذا التغيير في التوزيع العسكري لا يعيد رسم خطوط النفوذ على الأرض فحسب، بل يمتد لفرض واقع جديد حول منابع النفط والموانئ الاستراتيجية، مما يجعل الملف الأمني مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بفرص الاستقرار والتعافي.

التحدي الاقتصادي وعصب البقاء:

لا يمكن فصل المستقبل السياسي والعسكري للجنوب عن واقعه المعيشي والاقتصادي المتردي.. ويبقى الانهيار المتواصل للعملة المحلية وتدهور الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه التحدي الأكبر الذي يهدد أي استقرار سياسي.. لذلك تتجه الأنظار نحو مدى نجاح الجهود الرامية لتوحيد السياسة النقدية والبنكية، حيث يمثل ضبط الملف المالي مدخل الأساس لمنع الانزلاق نحو فوضى اجتماعية شاملة.. وتأمين متطلبات المواطن اليومية.

نقطة أخيرة:

إن مستقبل الجنوب لا يزال يُكتب في غرف المفاوضات وجبهات الميدان على حد سواء. ويتوقف نجاح هذا المسار على مدى قدرة الأطراف الجنوبية على تجاوز الخلافات البينية، واستثمار الدعم الإقليمي لبناء نموذج إداري واقتصادي يلبي تطلعات الشارع ويضمن الخروج من نفق الأزمات المتلاحقة.