شبوة تحت النار.. استهداف المعسكرات الجنوبية إرهاب يستهدف الإنسان والأمن ومستقبل الجنوب.

*- شبوة برس – بقلم المحامي/ جسار فاروق مكاوي .

لم يعد استهداف المعسكرات والتجمعات العسكرية في الجنوب أمرا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عسكرية عابرة أو مجرد خسارة في حسابات المواجهة. فما جرى في معسكر العلم بمحافظة شبوة يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026 يفرض علينا قراءة أوسع لطبيعة التهديد الذي يواجه الجنوب ولمغزى استهداف المجندين أثناء التدريب وللمسؤوليات التي ينبغي أن تتحملها القيادات العسكرية والأمنية والسياسية تجاه أرواح هؤلاء الشباب..من معسكر العلم إلى معركة الوعي والمسؤولية الوطنية .

لقد أوردت تقارير صحفية أن معسكر العلم تعرض لهجوم صاروخي نُسب إلى جماعة الحوثي أثناء وجود مجندين في دورة تدريبية..وتضاربت الحصائل الأولية بشأن عدد الضحايا فيما أشارت تقارير إلى سقوط قتلى وجرحى بالعشرات . وهذه الجريمة تستوجب تحقيقا دقيقا في ملابساتها وتحديد المسؤوليات عنها ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عنها.

إن شبوة ليست مجرد محافظة على الخارطة وليست مجرد موقع جغرافي في حسابات الحرب..إنها أرض التاريخ والعز والكرامة وأبناؤها جزء أصيل من النسيج الاجتماعي والسياسي للجنوب . وأمن الجنوب عامة وشبوة خاصة جزء لا يتجزأ من أمن المنطقة واستقرارها. ولذلك فإن الاعتداء على معسكر تدريبي في شبوة لا ينبغي أن يقرأ بمعزل عن تداعياته العسكرية والأمنية والسياسية.

أولا: تاريخ استهداف المعسكرات ليس تفصيلا عابرا..عرفت الحرب اليمنية خلال سنواتها محطات دامية استهدفت فيها تجمعات عسكرية ومعسكرات ومواقع كان يوجد فيها أفراد بأعداد كبيرة. ومن الأمثلة المعروفة هجوم صاروخي استهدف تجمعا عسكريا في محافظة تعز في ديسمبر 2015 وأوقع عشرات القتلى وفق التقارير التي تناولت الحادثة..كما شهد اليمن هجمات أخرى على مواقع عسكرية وأمنية أظهرت خطورة ترك التجمعات البشرية عرضة للضربات الصاروخية أو الهجمات المفاجئة .

وفي الجنوب تحديدا تفرض الهجمات التي تطال المنشآت الأمنية والتجمعات العسكرية ضرورة التعامل مع حماية المعسكرات بوصفها جزءا أساسيا من منظومة الأمن والدفاع لا إجراء ثانويا يمكن تأجيله أو اختزاله في ترتيبات إدارية..إن التاريخ لا يثبت وحده أن كل هجوم يأتي ضمن خطة واحدة أو أن جميع الهجمات تتطابق في أهدافها..لكنه يعلمنا أن التجمعات العسكرية الكبيرة ومراكز التدريب قد تتحول إلى أهداف شديدة الحساسية عندما تغيب إجراءات الحماية أو لا تتناسب مع طبيعة التهديد. ولذلك..فإن تكرار استهداف هذه المواقع يوجب مراجعة منظومة الإنذار المبكر والدفاع الجوي وتأمين مواقع التدريب وتقييم المخاطر قبل جمع أعداد كبيرة من المجندين في مكان واحد..وإذا ثبت أن جماعة الحوثي تقف وراء استهداف معسكر العلم فإن المسؤولية لا تقف عند الإدانة السياسية والإعلامية..بل تقتضي توثيق الأدلة وكشف طبيعة الهجوم وتحديد الوسائل المستخدمة ومساءلة المسؤولين عنه بالوسائل القانونية المناسبة..إن استهداف المجندين في أثناء التدريب يحمل آثارا تتجاوز الخسائر البشرية المباشرة. فهو يضرب عملية إعداد القوات الأمنية ويؤثر في الروح المعنوية للمجندين وأسرهم ويزرع الخوف في نفوس الراغبين في الالتحاق بالمؤسسات الأمنية. كما يضع القيادات أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية الأفراد الذين ائتمنوها على حياتهم .

ومن هنا فإن استهداف معسكر العلم يثير تساؤلات مشروعة حول توقيت الهجوم وأهدافه الميدانية وما إذا كان يرمي إلى إرباك الترتيبات الأمنية والعسكرية في شبوة أو التأثير في مسار العمليات على الأرض. غير أن الإجابة عن هذه التساؤلات يجب أن تستند إلى الأدلة والمعلومات الميدانية لا إلى التخمين وحده.أما المؤكد فهو أن أرواح المجندين ليست أرقاما في بيان عسكري وليست تفصيلا يمكن تجاوزه بمجرد إصدار موقف سياسي. فكل قتيل له أسرة وكل جريح له حياة ومستقبل وكل تجمع عسكري يفترض أن تتوافر له إجراءات حماية تتناسب مع حجم المخاطر المحيطة به..إن خطورة الجماعات المسلحة لا تقاس بالشعارات التي ترفعها ولا بالمبررات العقائدية والسياسية التي تقدمها لتسويغ أعمالها وإنما بما تمارسه على الأرض و بمدى التزامها بالقانون وحماية الأرواح..فلا يمكن تحويل الدين إلى غطاء للعنف ولا تحويل العقيدة إلى مبرر لاستباحة الدماء. وأي جماعة يثبت تعمدها استهداف أفراد تجمعوا للتدريب في ظروف لا تبرر استهدافهم تتحمل مسؤولية جسيمة عن فعلها وعن نتائجه.

إن وصف الإرهاب هنا ليس بديلا عن التحقيق ولا وسيلة لإعفاء أي طرف من الإثبات. بل إن المساءلة الجادة تقتضي تحديد الفعل ومرتكبيه والأدلة التي تثبت المسؤولية عنه. وفي الوقت نفسه لا يجوز أن يؤدي غياب بعض التفاصيل الأولية إلى التقليل من فداحة استهداف تجمع بشري عسكري أو تجاهل حق الضحايا وأسرهم في معرفة الحقيقة .

وأقولها بصراحة إن المقابلة التي ظهر فيها العقيد ماجد النزيلي بصفته الناطق العسكري باسم القوات المسلحة اليمنية تثير لدي تساؤلات بشأن الأولويات التي ينبغي أن يتقدم بها الخطاب العسكري في مثل هذه اللحظات..فالمطلوب من الناطق العسكري عند وقوع هجوم بهذا الحجم أن يوضح الوقائع المتاحة وأن يبين طبيعة الاعتداء وحجم الخسائر والإجراءات المتخذة لحماية المجندين وأن يجيب عن الأسئلة المتعلقة بمسؤولية الجهات المعنية بالتأمين والاستعداد..أما إذا انصرف الخطاب إلى التشديد على يمنية الضحايا حتى بدا الأمر وكأن إثبات هويتهم الوطنية هو جوهر القضية فإن ذلك يترك أسئلة أكثر أهمية بلا إجابة..إن أبناء الجنوب لا يحتاجون إلى شهادة من أحد لإثبات هويتهم أو لتحديد مكانتهم في المعادلة الوطنية. وهم لا يطلبون من أحد أن يمنحهم صفة لم يصنعها التاريخ ولا أن يقرر نيابة عنهم كيف يفهمون قضيتهم ومستقبلهم..القضية ليست في يمنية المجندين وإنما في حقهم في الحماية وفي مسؤولية القيادات عن أرواحهم وفي ضرورة التعامل مع أمن الجنوب باعتباره قضية حقيقية تستحق الاهتمام المؤسسي لا مجرد مناسبة لإعادة إنتاج خطاب سياسي واحد..وإذا كان الناطق العسكري يتحدث باسم مؤسسة يفترض أنها مسؤولة عن منتسبيها في مختلف المناطق فإن واجبه يقتضي أن يكون خطابه جامعا في حماية الأرواح واضحا في تحديد المسؤوليات ودقيقا في عرض الوقائع. ولا يجوز أن تصبح المأساة مناسبة لتغليب توصيف سياسي على حساب الأسئلة المتعلقة بسلامة المعسكرات وحقوق الضحايا..إن نقد الخطاب الإعلامي ليس انتقاصا من الضحايا ولا إنكارا لهويتهم. بل هو مطالبة بأن تتقدم الحقيقة والمساءلة وحماية الإنسان على كل اعتبار آخر.

إن استهداف شبوة يحمل خطورة خاصة بالنظر إلى موقعها وأهميتها الأمنية والاقتصادية وما تمثله من ثقل في الجنوب. وأي اضطراب أمني فيها لا ينعكس على أبنائها وحدهم وإنما يمتد أثره إلى الاستقرار العام وإلى قدرة المؤسسات على أداء واجباتها .

ولهذا فإن مسؤولية القيادات العسكرية والأمنية لا تنتهي عند تشييع الضحايا أو إصدار بيانات الإدانة. بل تبدأ من مراجعة إجراءات التأمين وتحديد أوجه القصور إن وجدت وتطوير منظومات الرصد والإنذار وتقييم ملاءمة مواقع التدريب والانتشار العسكري لطبيعة التهديدات .

كما أن من حق أسر الضحايا والرأي العام معرفة نتائج التحقيقات بقدر ما تسمح به مقتضيات الأمن والعمليات العسكرية. فالمساءلة ليست إضعافا للمؤسسة العسكرية وإنما ضمانة لعدم تكرار المأساة وتعزيز ثقة الأفراد بقياداتهم..إن حماية المجندين واجب لا يقبل التهاون وأي تقصير تثبته التحقيقات يجب أن تترتب عليه المسؤولية القانونية والإدارية المناسبة دون انتقائية أو استثناء.لا يمكن فصل أمن الجنوب عن الأمن القومي العربي في ظل تشابك التهديدات التي تواجه المنطقة وامتداد آثار الصراعات إلى الممرات البحرية والمصالح الاقتصادية والاستقرار الإقليمي..ومن هذا المنطلق تبرز أهمية الدور المصري في دعم التنسيق العربي وتعزيز قدرات الدول ومؤسساتها على مواجهة الإرهاب وحماية الأمن والاستقرار. فمصر بما تمثله من ثقل سياسي و استراتيجي في المنطقة تستطيع أن تكون عنصرا مهما في جهود التعاون العربي الرامية إلى مواجهة التهديدات المشتركة وصون سيادة الدول..إن التضامن العربي المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على بيانات الإدانة وإنما يجب أن يتجسد في تبادل المعلومات والخبرات وتعزيز التعاون الأمني ومواجهة مصادر تمويل الجماعات المسلحة ودعم المسارات السياسية التي تحمي الدول من التفكك وتمنع تحويل أراضيها إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية..وأي موقف عربي جاد من أمن المنطقة يجب أن ينطلق من مبدأ واضح هو أن أمن الجنوب عامة و شبوة خاصة جزء من استقرار المنطقة وليس قضية هامشية يمكن تجاهلها..إن استهداف معسكر العلم يضع أمامنا ثلاث قضايا لا يجوز خلط إحداها بالأخرى..الأولى هي مسؤولية الجهة التي يثبت تنفيذها للهجوم عن دماء الضحايا وما يترتب على ذلك من مساءلة..والثانية هي مسؤولية القيادات العسكرية والأمنية عن مراجعة إجراءات حماية المجندين ومنع تكرار مثل هذه الكارثة..والثالثة هي مسؤولية الخطاب السياسي والإعلامي في احترام الضحايا وعدم تحويل هويتهم إلى مادة للمزايدة أو وسيلة لتجاوز الأسئلة الجوهرية المتعلقة بأمن الجنوب وحقوق أبنائه..إن شبوة التاريخ والعز والكرامة ليست ساحة مستباحة لأحد. وأبناء الجنوب ليسوا أرقاما في بيانات الحرب ولا وقودا لصراعات الآخرين. إنهم بشر لهم حق الحياة والأمن والكرامة ولهم الحق في أن يعرفوا من استهدفهم وكيف أمكن وقوع الكارثة ومن يتحمل مسؤولية منع تكرارها..دماء أبناء الجنوب ليست مادة للمزايدات السياسية وأمن الجنوب ليس تفصيلا في حسابات الآخرين..الرحمة للضحايا والشفاء العاجل للجرحى والعزاء لأسرهم. ولتكن هذه الفاجعة دافعا حقيقيا للمساءلة والإصلاح وتعزيز حماية المعسكرات والتجمعات البشرية حتى لا تتكرر المأساة .