*- شبوة برس – خاص
في موقف يكشف حجم التناقض والانحدار السياسي داخل حكومة الشرعية، أثار تصريح منسوب إلى مصطفى أحمد النعمان، نائب وزير الخارجية في الحكومة، بشأن الهجوم الحوثي على مجمع معاشيق الرئاسي في العاصمة عدن، تساؤلات حادة حول طبيعة الخطاب الذي يصدر عن مسؤول يفترض أن يمثل بلاده دبلوماسياً، لا أن يتحول تصريحه إلى ما يشبه شهادة إعلامية مجانية لمصلحة جماعة الحوثي الإرهابية.
وكان الصحفي ماجد الداعري قد أشار، في منشور على منصة إكس، إلى أن صواريخ الحوثيين أصابت مساكن لأعضاء في مجلس القيادة الرئاسي داخل مجمع معاشيق، وأن الهجوم أسفر عن مقتل مرافقين لرئيس الحكومة، في وقت أعلن فيه وزير الصحة في عدن استشهاد خمسة أشخاص وإصابة 16 آخرين جراء الهجوم الحوثي الإرهابي الذي استهدف القصر الرئاسي.
ويرى شبوة برس أن خطورة مثل هذا الخطاب لا تكمن في نقل تفاصيل الهجوم فحسب، بل في الطريقة التي تُعرض بها المعلومات المتعلقة بإصابة الأهداف، بما قد يمنح الجماعة الحوثية مادة دعائية تتباهى بها أمام جمهورها، بينما لا يزال المدنيون يدفعون ثمن مغامراتها العسكرية واعتداءاتها على عدن.
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل يدرك المسؤولون في حكومة الشرعية الفارق بين كشف حقيقة الهجوم للناس، وبين تقديم رواية تفصيلية يمكن أن تستثمرها المليشيات الحوثية في الترويج لقدراتها العسكرية؟ إن المسؤولية الوطنية والدبلوماسية تقتضي خطاباً حذراً، واضحاً في إدانة الاعتداء، ومركزاً على حماية المواطنين ومحاسبة المسؤولين عنه، لا الاكتفاء بترديد تفاصيل قد تتحول إلى مادة دعائية للمعتدين.
وتزداد المفارقة السياسية حدة عند استحضار التصريح المنسوب إلى النعمان قبل أيام، حين تحدث عن استعداده للتحالف مع الحوثيين إذا قرر الجنوبيون الانفصال. فإذا كان هذا الموقف قد نُقل عنه على النحو المتداول، فإن الجمع بين الاستعداد للتحالف مع جماعة تهاجم عدن، وبين الخطاب الذي يستهدف مشروع الجنوبيين المطالبين باستعادة دولتهم، يضع الرأي العام أمام سؤال سياسي ثقيل: أين تقف الأولويات الحقيقية لدى بعض المسؤولين في هذه الحكومة؟
إن الجنوبيين الذين واجهوا الحوثيين دفاعاً عن أرضهم ومدنهم لا يحتاجون إلى دروس في الوطنية من مسؤولين يلوّحون بالتحالف مع خصمهم حين يتعلق الأمر بحقهم السياسي في تقرير مستقبلهم. ومن حقهم أن يسألوا عن جدوى استمرار شراكة سياسية وعسكرية لا تحسم موقفها من مشروعهم، بينما تطالبهم في الوقت نفسه بمواصلة تحمل أعباء المواجهة والتضحيات.
ويرى شبوة برس أن المشكلة أعمق من تصريح عابر؛ إنها أزمة خطاب ومواقف داخل منظومة سياسية أخفقت في تقديم مشروع جامع، وأصبحت بعض تصريحات مسؤوليها مادة للصراع مع الجنوب بدلاً من أن تكون وسيلة لمواجهة الخطر الحوثي. فحين يصبح حق الجنوبيين في استعادة دولتهم موضع تهديد، ويُطرح التحالف مع الحوثيين باعتباره خياراً محتملاً، ثم يأتي خطاب بشأن الهجمات الصاروخية على عدن بطريقة يستفيد منها إعلام المعتدين، فإن التناقض لا يعود تفصيلاً صغيراً يمكن تجاوزه.
معاشيق ليست ساحة لتصفية الحسابات السياسية، وعدن ليست ورقة للمساومة، ودماء الضحايا ليست مادة للاستعراض الإعلامي. المطلوب من حكومة الشرعية موقف صريح يدين الهجوم الحوثي، ويحمي المواطنين، ويحاسب المقصرين، ويحترم حق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم السياسي.
أما أن تُترك الاعتداءات الحوثية في خلفية المشهد، بينما تتقدم الخصومة مع الجنوب إلى واجهة الخطاب السياسي، فذلك هو الخلل الذي يستحق المساءلة. فالوطنية لا تُقاس بالشعارات والمناصب، بل بالمواقف حين تتعرض المدن للقصف، وبالوضوح حين تصبح حقوق الشعوب موضع اختبار، وبالقدرة على التمييز بين عدو يهاجم الأرض وشعب يطالب باستعادة دولته.
