*- شبوة برس – خاص
قال أستاذ القانون الدولي الدكتور توفيق جزوليت إن المأزق السياسي الذي يعيشه اليمن لا يرتبط بالمواجهة العسكرية مع الحوثيين وحدها، بل تكشف جذوره أيضًا عن أزمة عميقة في مواقف النخب السياسية التي تطالب الجنوب بالمشاركة في الحرب، لكنها تتردد في الاعتراف بحقه في تقرير مصيره واستعادة دولته.
وأوضح جزوليت، في مقال تحليلي استلهم فكرته من طرح الكاتب الجنوبي لطفي شطارة، أن المفارقة الصارخة تتمثل في استدعاء تضحيات الجنوب حين تحتاج القوى اليمنية إلى قوته العسكرية، مقابل تجاهل حق شعبه في اختيار مستقبله السياسي، وكأن التضحيات واجب على الجنوبيين، بينما حقوقهم السياسية ملف ممنوع على طاولة النقاش.
وأشار إلى أن الجنوب الذي ساهم في مساندة القوات المدافعة عن صنعاء خلال أحداث عام 1967 وفك الحصار عنها، لا يمكن التعامل معه اليوم باعتباره طرفًا مطالبًا بتقديم المزيد من التضحيات دون الاعتراف بقضيته الوطنية وحقه في استعادة دولته.
ويرى شبوة برس أن هذه المفارقة تختصر جانبًا أساسيًا من الأزمة السياسية الراهنة؛ إذ لا يمكن بناء تحالف حقيقي ومستدام على قاعدة أن يقدم الجنوبيون الدماء والتضحيات في ميادين القتال، بينما يجري التعامل مع تطلعاتهم السياسية باعتبارها عبئًا ينبغي تأجيله أو الالتفاف عليه.
وأكد جزوليت أن الوحدة التي قامت عام 1990 على أساس الشراكة بين دولتين دخلت منعطفًا حاسمًا مع حرب 1994، التي يرى أنها قوّضت الأساس السياسي للشراكة وفتحت الباب أمام فرض واقع جديد بالقوة العسكرية، بدل معالجة الخلافات عبر التفاهم والاتفاق.
وأضاف أن استمرار التمسك بصيغة الوحدة، دون معالجة جذور القضية الجنوبية والاعتراف بإرادة شعب الجنوب، لم يؤدِّ إلى إنهاء الأزمة، بل ساهم في تعميق انعدام الثقة وإطالة أمد الصراع. فالقضايا الوطنية لا تختفي بإنكارها، والحقوق السياسية لا تسقط لمجرد أن قوى نافذة ترفض الاعتراف بها.
ومن منظور القانون الدولي، يلفت جزوليت إلى أهمية مبادئ ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بحظر استخدام القوة وحق الشعوب في تقرير مصيرها، معتبرًا أن استمرار الاعتراف الدولي بوحدة الجمهورية اليمنية لا يعني أن القضية الجنوبية فقدت أساسها السياسي أو أن النقاش بشأن مستقبل الجنوب أصبح أمرًا غير مشروع.
ويرى شبوة برس أن جوهر القضية لا يكمن في تبادل الشعارات حول الوحدة أو الانفصال، بل في الاعتراف بأن أي تسوية سياسية تتجاهل إرادة شعب الجنوب ستظل تسوية ناقصة، مهما حظيت من دعم أو رُوّج لها من مبررات. فالقوة العسكرية لا تصنع وحدها شرعية سياسية مستدامة، ولا تستطيع الشعارات أن تعوّض غياب الرضا الشعبي والشراكة الحقيقية.
وشدد جزوليت على أن النخب السياسية مطالبة بمراجعة حساباتها، والتخلي عن عقلية الهيمنة والإصرار على فرض صيغة سياسية تجاوزتها تطورات العقود الماضية، مشيرًا إلى أن الاعتراف بحق الجنوبيين في تقرير مستقبلهم يمكن أن يفتح الطريق أمام تفاهمات أكثر واقعية، ويتيح بناء علاقات سياسية تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل.
ويؤكد شبوة برس أن المعادلة التي تحاول بعض القوى فرضها على الجنوب لم تعد قابلة للاستمرار: لا يمكن مطالبة الجنوبيين بالدفاع عن مشاريع سياسية لا تعترف بحقهم في تقرير مصيرهم، ولا يمكن مطالبتهم بتأجيل قضيتهم إلى أجل غير معلوم تحت ذريعة مواجهة الحوثيين.
إن استعادة دولة الجنوب العربي الفيدرالية، وفق إرادة شعب الجنوب، ليست منّة تنتظر من أحد، ولا حقًا تمنحه النخب السياسية متى شاءت وتسحبه متى أرادت، بل قضية وطنية تتطلب معالجة سياسية جادة تحترم تطلعات الجنوبيين وتضع حدًا لسياسة استنزاف تضحياتهم.
لقد آن الأوان لأن تدرك القوى السياسية أن الشراكة لا تُفرض بالقوة، وأن الاعتراف بالحقوق ليس تنازلًا، بل مدخل ضروري لأي سلام مستدام. فالتاريخ لن يقيس المواقف بعدد الشعارات المرفوعة، بل بمدى احترام إرادة الشعوب وحقوقها في اختيار مستقبلها.
