*- شبوة برس – خاص
في منشور للدكتور توفيق جزوليت، أستاذ القانون الدولي المغربي، تناول عودة الحوثيين إلى رفع شعار وقف الحرب والدخول في حوار سياسي، تبرز أسئلة جوهرية حول حقيقة هذه الدعوة: هل هي مراجعة حقيقية لمسار الحرب، أم محاولة لوقف الضغط العسكري وكسب الوقت وإعادة ترتيب الأوراق؟
يرى شبوة برس أن الحذر من الوعود الحوثية مشروع، في ضوء تجربة طويلة جعلت التصريحات السياسية وحدها غير كافية لإثبات جدية أي طرف في الوصول إلى السلام. فالواقع أن الحوثيين يتحملون مسؤولية أساسية عن جانب محوري من الأزمة، خصوصاً منذ سيطرتهم على صنعاء ومؤسسات الدولة بالقوة عام 2014، وما ترتب على ذلك من انهيار العملية السياسية واتساع دائرة الحرب.
ولا يعني ذلك أن الدعوة إلى الهدنة أمر سلبي في حد ذاته. وقف نزيف الدم وفتح الطريق أمام تسوية سياسية هدفان مهمان، لكن الهدنة تصبح خطرة عندما تتحول إلى استراحة عسكرية تسمح بإعادة ترتيب الصفوف والاستعداد لجولة جديدة.
إذا كان الحوثيون يريدون السلام فعلاً، فالمطلوب ليس البيانات والتصريحات، بل خطوات واضحة على الأرض، تبدأ بوقف التصعيد، واحترام الاتفاقات، والقبول بحوار سياسي جاد، والتخلي عن استخدام القوة لفرض النتائج السياسية. فالاختبار الحقيقي للنوايا يكون بالأفعال والالتزامات والضمانات.
أما الجنوب العربي، فلا ينظر إلى المسألة من زاوية الصراع على صنعاء وحدها. فقد خاض الجنوبيون مواجهة مباشرة مع الحوثيين، ودفعت مناطق جنوبية ثمناً كبيراً خلال الحرب، ولا تزال حماية الجنوب ومنع تمدد المشروع الحوثي المسلح جزءاً أساسياً من الحسابات الأمنية والسياسية الجنوبية.
لكن موقف الجنوب لا ينبغي اختزاله في تأييد الحرب أو رفض الهدنة. فهناك قضيتان متلازمتان: رفض المشروع الحوثي المسلح ومنع فرضه بالقوة على الجنوب، ورفض تحويل مواجهة الحوثيين إلى ذريعة لتهميش القضية الجنوبية أو إعادة إنتاج صيغة سياسية يرفضها قطاع واسع من الجنوبيين.
ومن هنا، فإن أي تسوية سياسية مقبلة يجب أن تتعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها قضية رئيسية، لا ملفاً ثانوياً يؤجل إلى ما بعد انتهاء الصراع. الجنوب يريد السلام، لكنه لا يريد سلاماً يعيد إنتاج الأزمة، ويرفض أن تتحول الحرب على الحوثيين إلى غطاء لتأجيل حقوق الجنوبيين أو تجاوز إرادتهم السياسية.
وفي المقابل، فإن المرحلة الحالية تضع الجنوبيين أمام مسؤولية تاريخية. فقوة الموقف الجنوبي تبدأ من قوة الجبهة الجنوبية نفسها، ومن قدرة القوى السياسية والعسكرية والاجتماعية على بناء موقف متماسك يحمي المصالح الجنوبية ويدافع عن القضية بوضوح.
لقد أثبتت التجربة أن الانقسامات الجنوبية تمنح الآخرين مساحة أكبر للتدخل وإعادة ترتيب المشهد بما يخدم مصالحهم. ولذلك فإن المطلوب تجاوز الخلافات الثانوية، وتوحيد الصف حول الثوابت الجنوبية، وبناء موقف سياسي أكثر تماسكاً، مع الحفاظ على التنوع في الآراء والمكونات وعدم تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع داخلي، وفي مقدمتها حماية القرار السياسي الجنوبي.
لقد أعلن الحوثيون استعدادهم لوقف الحرب والدخول في حوار سياسي. وليكن ذلك اختباراً حقيقياً للنوايا. فإذا توقف القتال، واحترمت الالتزامات، وبدأ حوار سياسي جاد، وتوفرت ضمانات تمنع العودة إلى الحرب، فإن الطريق أمام السلام يصبح أكثر وضوحاً. أما إذا تحولت الهدنة إلى فرصة لإعادة ترتيب الأوراق والاستعداد لجولة جديدة، فستؤكد التجربة أن المشكلة ليست في غياب فرص السلام، وإنما في غياب الالتزام الحقيقي به.
وبالنسبة للجنوب، فإن المعركة لا تنتهي بمجرد توقف الحرب مع الحوثيين، لأن هناك معركة سياسية ودبلوماسية تتطلب جبهة جنوبية قوية ومتماسكة، ومشروعاً واضحاً، وقدرة على التفاوض والدفاع عن المصالح الجنوبية.
لذلك، فإن المعادلة المقبلة واضحة: إنهاء الحرب، اختبار جدية الحوثيين، حماية الجنوب، تقوية الجبهة الجنوبية، ووضع القضية الجنوبية في قلب أي تسوية سياسية.
فالمرحلة المقبلة ستكون اختباراً للحوثيين وللجنوبيين معاً. قوة الجنوب لا تقاس فقط بما يملكه من قوة عسكرية، وإنما بقدرته على إنتاج موقف سياسي واضح، ومؤسسات تمثله، وإرادة تعرف ما تريد وكيف تصل إليه.
وفي النهاية، قد تختلف القوى الجنوبية في الوسائل والرؤى، لكن ما يجمعها أكبر مما يفرقها. الجنوب القوي هو الجنوب المتماسك، والقادر على حماية قضيته وصون قراره والمشاركة في صناعة مستقبله، لا انتظار ما يقرره الآخرون.
