جاء إعلان رشاد العليمي تدشين مايسمى “معركة استعادة مؤسسات الدولة”، في توقيت جيوسياسي معقد ليعيد صياغة الأسئلة حول أزمة العمليات واللوجستيات التي تفتك بمنظومة الشرعية. هذا الإعلان رغم نبرته التعبوية يصطدم بواقع ميداني وعسكري متهالك، يثبت استحالة إلحاق الهزيمة بمليشيات الحوثي أو فرض معادلة حسم حقيقية عبر أدوات استمرأت المتاجرة بالحرب طيلة عقد.
على الصعيد التكتيكي والعملياتي يقف المخطط العسكري للشرعية عاجزاً بنيوياً عن المناورة؛ فالحديث عن تحريك الجبهات بشكل متزامن ضرب من المستحيل. تفتقر هذه القيادة لغرفة عمليات موحدة وعقيدة جامعة، وتتوزع تشكيلاتها بين ولاءات حزبية ومناطقية متناحرة. وفي شق الإمداد يعاني الجيش من استشراء الفساد وكشوفات الأسماء الوهمية لنهب المخصصات وبناء الثروات، مما يجعل توفير الذخيرة للخطوط الأمامية شحيحاً. أما التغطية الجوية فهي قرار إقليمي ودولي يخضع لحسابات معقدة لا يملك العليمي سلطة توجيهه.
وفي قراءة المعطيات الدولية ينكشف زيف هذا النفير عند الاصطدام بموقف الحلفاء؛ فالتحفظات الأمريكية وتأكيد القيادة المركزية (سنتكوم) رفضها لشن ضربات جوية واسعة في اليمن، يثبت أن واشنطن ترفض حسم المعركة وتصنف النزاع كملف استنزافي ثنائي. هذا الموقف الموجه كرسالة صد للمملكة العربية السعودية لثنيها عن طلب الدعم الجوي، يوضح أن واشنطن ترفض تشتيت انتباهها عن صراعها الأساسي مع إيران. هذا التخلي يفضح حقيقة أن معركة العليمي تجري بلا غطاء دولي فاعل، وتضع العبء العسكري على الطيران الإقليمي وحده.
في هذا المشهد يبرز موقف حزب الإصلاح المهيمن على مفاصل الشرعية العسكرية. لقد أثبتت التجارب أن الرهان على إخلاصه في معركة كسر عظم مع الحوثيين رهان عقيم؛ إذ يتحرك وفق استراتيجية تمطيط الأزمة. يتقاطع الحزب مع الحوثي في منع فك ارتباط الجنوب والحفاظ على ما يسمى “الوحدة” لتقاسم الثروات والموانئ؛ ولهذا يفضل التجميد والمناورة بأسلحته لحجز مقعد في أي تسوية قادمة بدلاً من تقديم الغطاء الهجومي الفعلي.
في الأخير لن يتجاوز مآل هذا التصعيد سيناريو الاستنزاف المؤقت؛ وعندما تُنهك القوات ستتحرك الدبلوماسية الدولية لفرض هدنة تعيد تدوير المغانم لصالح أمراء الحرب وسلطة صنعاء. ووسط هذا التهافت تبقى الأيام كفيلة بكشف العورات العسكرية، لتظل القوات المسلحة الجنوبية وحدها الصخرة الصماء في خنادق الدفاع الفعلي عن حدودها التاريخية، محصنة أرضها بعقيدة صلبة لا تعرف الخيانة.
