تحبس الجغرافيا اليمنية أنفاسها وهي تراقب جبهة مأرب الحارقة؛ فالمعقل الأخير لما يسمى “الحكومة المعترف بها دولياً” بات يقف على حافة تحول جيو-عسكري استراتيجي، وسط حديث متصاعد عن وساطات قبلية ومساومات لتسليم المدينة سلماً لمنع إراقة الدماء!! ومصادرة منشآت “صافر” النفطية.
هذا المشهد لا يطرح تساؤلاً حول مصير الثروة والميدان فحسب، بل يفتح الباب أمام قراءة مرعبة للمآلات الإنسانية والسياسية التي ستعقب هذا التحول، وما إذا كان السقوط مجرد نتاج عجز عسكري، أم جزءاً من “خارطة طريق” غير معلنة بين التحالف وجماعة الحوثي.
إن التداعيات الإنسانية لأي تحول في مأرب ستكون الأشد كارثية في تاريخ النزاعات المعاصرة؛ فالمدينة التي تحولت إلى خزان بشري يضم أكثر من مليوني نازح، ستدفع بسكانها في رحلة هروب إجبارية نحو محافظتي حضرموت وشبوة شرقاً وجنوباً.
هذا التدفق البشري الهائل لن يكتفي بإنهاك البنية التحتية المهترئة للمحافظات المستضيفة، بل سيفجر الاحتقان السياسي المؤجل؛ حيث تنظر النخب والمكونات الجنوبية إلى هذا النزوح الجماعي كـ “تغيير ديموغرافي ممنهج” يهدف إلى تمييع القضية الجنوبية وإجهاض مشروع فك الارتباط عبر فرض أمر واقع سكاني وسياسي جديد برعاية أطراف الصراع.
وفي شق المقاربة السياسية، تنقسم القراءات خلف كواليس هذه المساومات القبلية؛ فالرواية الأولى ترى في التهدئة وتسليم مأرب بنداً سرياً ضمن “خارطة طريق” تسعى قوى التحالف من خلالها إلى “تصفير الأزمات” والخروج الآمن من المستنقع اليمني عبر مقايضة الشمال بالجنوب، وتثبيت مناطق نفوذ مغلقة تضمن أمن الحدود الإقليمية أولاً. أما الرواية الثانية ﴿وهي الأكثر واقعية عسكرياً﴾ فتشير إلى أن المجتمع الدولي والإقليمي بات يتعامل مع جماعة الحوثي كـ “سلطة أمر واقع” شرعية وحتمية لابد من الانخراط معها، بعد أن أثبتت آلة الحرب عجز المنظومة العسكرية لل “شرعية” عن تحقيق أي حسم، مما جعل الاعتراف بنفوذ الجماعة على الشمال كاملاً مسألة وقت تفرضه شروط القوة على الأرض.
بين عبء النزوح المرتقب والصفقات السياسية المتداولة، يبدو أن مأرب تقع ضحية معادلة دولية أكبر؛ حيث تُساق الجغرافيا لخدمة توازنات القوى، ويتحول الإنسان اليمني إلى ورقة ضغط ديموغرافية واقتصادية تُمرر من خلالها مشاريع “التقاسم والإستحواذ” وإعادة هندسة النفوذ في شبه الجزيرة العربية.
