إذا صحّت المعلومات المتداولة عن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا، فنحن أمام مشهد يختصر مأساة اليمن في لقطة واحدة: الأرض تتحرك، والجبهات تتغير، والبيانات ثابتة في أماكنها!

المخا ليست قرية هامشية على الخريطة؛ إنها مدينة ساحلية ذات موقع حساس على البحر الأحمر وقريبة من باب المندب. ولذلك فإن سقوطها ـ إن تأكد ميدانيًا ـ لا يُقرأ كخبر عسكري عابر، بل كإنذار سياسي واستراتيجي حول طبيعة إدارة الحرب ومن يدفع ثمنها.

منذ سنوات، اعتادت “الشرعية” أن تخوض معاركها من خلف الشاشات: اجتماع عاجل، بيان شديد اللهجة، تصريح يؤكد الجاهزية، ثم مؤتمر صحفي يشرح للمواطن اليمني أن النصر قادم… فقط عليه أن ينتظر قليلًا!

المشكلة أن المواطن لم يعد يعرف أين يقع خط الجبهة: هل هو في المخا، أم في قاعة الاجتماعات، أم في الفندق؟

المفارقة أن كل طرف يملك روايته عن الانتصار، بينما المواطن اليمني يملك شيئًا واحدًا فقط: فاتورة الحرب.

الحوثي يريد تقديم أي تقدم ميداني باعتباره انتصارًا استراتيجيًا، والشرعية تستطيع أن ترد ببيان يؤكد “الثبات والصمود”، لكن الجغرافيا لا تقرأ البيانات؛ الجغرافيا تقرأ من يسيطر على الأرض.

وسقوط المخا، إذا تأكد، يطرح سؤالًا أكبر من أسماء القادة والكتائب:

متى تنتهي إدارة اليمن بمنطق البيانات، وتبدأ إدارته بمنطق الدولة؟

اليمن لا يحتاج إلى بطولة جديدة أمام الكاميرات، ولا إلى بيانات إضافية من غرف مكيفة. يحتاج إلى جيش موحد، وقرار وطني مستقل، وسلطة تعرف أن حماية المدن ليست فقرة في بيان رسمي.

أما المواطن، فقد سئم مشاهدة الوطن يسقط على الخريطة بينما تنتصر البيانات في نشرات الأخبار.

في اليمن، يبدو أن آخر جبهة لم تسقط بعد هي جبهة البيانات… لأنها ببساطة لا تحتاج إلى ذخيرة.

*- بقلم: د. فيروز الولي