لم تكن الحروب يوماً نزهة، لكنّها تصبح أشدّ مرارة عندما تتحوّل إلى “بضاعة” يُروّج لها خطباء المنفى الاختياري ومفتو الفنادق.
في المشهد اليمني المعقد يبرز تناقضٌ صارخ يكشف عورة الخطاب الديني المُسيّس: رجال دين ومحسوبون على النخب الفكرية يصدرون فتاوى حماسية تحث الشباب على النفير والقتال ضد جماعة الحوثي “الانقلابية” مستندين إلى مسوغات شرعية، بينما اختاروا بأنفسهم الهروب بأولادهم وتأمينهم في رغد العيش بين عواصم الترف كإسطنبول والرياض ولندن وغيرها.
هذا التناقض الصادم يسقط المصداقية الأخلاقية لهؤلاء، ويضع علامات استفهام كبرى حول أهليتهم الفقهية والإنسانية لتوجيه مصير أمة تتجرع المأساة كل يوم.
إن تاريخ الإسلام الذي يستدعيه هؤلاء المفتون يرفض سلوكهم جملة وتفصيلاً. فالرسول ﷺ والخلفاء الراشدون وقادة الفتوحات لم يديروا المعارك عبر “التحكم عن بُعد”، ولم يصنعوا لعائلاتهم ملاذات آمنة وقت الأزمات.
لقد كان القائد يتقدم الصفوف في مواجهة الموت.. وعندما غاب هذا المبدأ تحولت الفتوى إلى أداة طبقية مقيتة؛ يُراد فيها للشباب العاطل والفقراء والمعدمين الذين يعانون الجوع والبطالة أن يكونوا “وقوداً” للجبهات، بينما يُعد أبناء النخب الدينية والفكرية والسياسية ليكونوا “قادة المستقبل” عبر التحصيل العلمي والتخرج من أرقى الجامعات العالمية في الخارج.
ومن القواعد الفقهية المستقرة أن الإقدام على النوازل المصيرية كالحرب يتطلب إدراكاً عميقاً لـ “فقه الواقع” وموازنة دقيقة بين المصالح والمفاسد.
والمفتي الذي تفصله عن خطوط النار آلاف الأميال لا تصله شظايا القصف، ولا يعيش مرارة انقطاع الراتب، هو شخص فاقد للأهلية الواقعية لتقدير كلفة فتواه.
إن محاربة الحوثي وإنهاء انقلابه الغاشم هي بلا شك قضية وطنية جامعة وواجب على كل يمني، لكن هذا الواجب يصبح فرضاً أولاً على من يتبوؤون منابر التوجيه وعلى أولادهم الذين يدّعون أنهم حراس العقيدة وحماة كتاب الله وسنة نبيه.
فإذا كان القتال جهاداً مقدساً وبوابة للجنان، فلماذا يُحرم أبناء المفتين من هذا الفضل ويُدفعون دفعاً نحو منصات الرفاهية؟
تستغل هذه الفتاوى الأوضاع الاقتصادية الطاحنة بالداخل، حيث يتحول الاندفاع نحو الجبهات أحياناً كوسيلة وحيدة لتأمين لقمة العيش في عملية استقطاب غير عادلة تسلب الشباب خياراتهم.
إن الوعي الشعبي المتنامي اليوم في البلاد يمثل خط الدفاع الأول ضد تجار الحروب؛ فقد أدرك المجتمع بفطرته أن من يملك ترف إرسال أبنائه إلى كبرى جامعات الخارج، لا يملك الحق الأخلاقي ولا الشرعي في إرسال أبناء الآخرين إلى المقابر.
وإن مواجهة الانقلاب تتطلب مشروعاً صادقاً متكاملاً يتساوى فيه الجميع في التضحية والفداء، وأول من يجب ان يتقدم الصفوف هم هؤلاء الدعاة، وليست فتاوى عابرة للقارات تُكتب بحبر الرفاهية وتُدفع أثمانها من دماء الفقراء.