—فلسفة الوطن بين بطون الجوعى ورفاهية الفنادق: لمن تكون التضحية؟—
ارتبط مفهوم الوطن في الوجدان الإنساني بـالحضن الدافئ والملجأ الآمن والأرض التي تمنح أبناءها العيش الكريم والكرامة المصونة؛ فالوطن ليس مجرد علم يُرفع أو نشيد يُعزف، بل هو شبكة الأمان والخدمات التي تجعل الإنسان يشعر بآدميته ومواطنته.
ولكن عندما يغيب هذا الحضن وتتحول الأرض إلى ساحة للمجاعة والألم والخذلان يبرز السؤال الوجودي الصعب والمشروع: ما معنى الوطن لرجل جائع، وأسرته تتضور جوعاً أمام عينيه؟
معادلة الكرامة والخبز:
حينما ينهش الجوع البطون تسقط الشعارات الرنانة والخطابات السياسية الجوفاء.. فالإنسان الذي يعجز عن توفير رغيف الخبز لأطفاله أو جرعة الدواء لمرضاه يرى في الوطن مكاناً قسرياً يسلب منه كرامته بدلاً من أن يحميها.
من هنا يصبح الحديث عن “التضحية بالروح” مغالطة أخلاقية كبرى؛ إذ كيف يُطلب ممن حُرِم من حقوقه الأساسية في الحياة أن يقدم حياته ثمناً للوطن؟ إن وطناً لا يُشبع جائعاً ولا يصون كرامة مواطنيه يفقد شروطه الأساسية، ولا يمكن أن تكون التضحية لأجله إلا استمراراً لشرعنة المعاناة.
والأدهى من ذلك هو التساؤل المُر حول الهدف الحقيقي من هذه التضحيات: هل يموت المواطن من أجل الأرض والحرية، أم يموت ليعود مسؤول فاسد وتافه إلى كرسي السلطة ليمارس فساده مجدداً؟
إن التضحية بالدماء من أجل إعادة تدوير النخب الفاسدة التي تسببت في مأساة الناس هي ذروة الغبن والانتحار السياسي.
المفارقة الأخلاقية: جندي بلا راتب وقائد في الفندق:
تتجلى أبشع صور غياب الإنصاف في تلك المعادلة المقلوبة التي يُطالب فيها جندي مرابط في الجبهات بلا مرتب منتظم بأن يتقدم الصفوف ليُقتل، بينما أسرته وأطفاله في البيت يقتاتون على الصبر والجوع.
هذا الجندي الذي سُلبت مستحقاته وُتِرك لمواجهة الموت ببطن خاوية يُطلب منه تأمين “الشرعية” والانتصار لقادة يقبعون في الفنادق والعواصم الخارجية لاسيما في الرياض.
إنها مفارقة يندى لها الجبين الأخلاقي: قادة يتقاضون رواتبهم وإعاشاتهم بآلاف الدولارات، ويؤمّنون مستقبل أبنائهم في رغد العيش بالخارج ثم يطلّون عبر الشاشات والمواقع ليصدروا أوامر الموت والصمود للمطحونين في الداخل!.
أي فائدة وأي قيمة عسكرية أو وطنية تُرتجى من قتال يقوده عاجز أو متخاذل من خلف الشاشات؟
إن القائد الذي لا يفترش التراب مع جنوده، ولا يتقاسم معهم رغيف الخبز وشح الموارد، لا يملك أي مشروعية أخلاقية أو عسكرية لإصدار الأوامر.
الوعي الشعبي الجديد:
لقد غادرت السذاجة عقول الشارع اليمني والجنوبي على حد سواء؛ فالناس اليوم باتوا يدركون بوعيهم ومعاناتهم أن التضحية لا يجب أن تكون وقوداً لاستدامة رفاهية قادة الفنادق.
إن المعركة الحقيقية التي يجب أن تُخاض اليوم هي معركة استعادة كرامة المواطن، وفرض عودة المسؤولين إلى الميدان ليتجرعوا نفس الكأس التي يتجرعها الشعب.
فالأوطان تُبنى بالعدل والكفاية أولاً، ومن أراد أن يكون قائداً فليكن في مقدمة الصفوف لا مستثمراً في دماء الجوعى.
