كانت عدن في زمن ليس ببعيد، قبلة التجار والسواح، وصرخة حضارة في وجه الصحراء. هي المدينة التي سبقت غيرها في الشرق الأوسط بمطارها الدولي، وميناءها التجاري العالمي ، بإذاعتها التي كان صوتها يملأ أرجاء الجزيرة العربية، بتلفزيونها الذي كان نافذة على العالم، بصحفها ودور طباعتها التي أسست لوعي سياسي وثقافي، وبأحزابها التي ناضلت من أجل الحرية والديمقراطية.
عدن كانت مختبرًا للتقدم المدني، ونموذجًا للتعايش الاجتماعي، وملتقى للثقافات والأفكار. لكنها اليوم، وبفعل فاعل، لم تعد سوى قرية منهكة، تئن تحت وطأة الإهمال، وتنزف من كل اتجاه. لا بنية تحتية تصلح ما أفسده الزمان، لا كهرباء تضيء لياليها، لا ماء عذب يروي ظمأ أطفالها، لا مستشفى يلملم جراحها، ولا مرفأ يذكرها بمجدها البحري.
المواطن العدني، الذي كان يومًا يعيش في مدينة تضاهي بيروت والقاهرة، بات اليوم يعيش في ظروف قاسية لا تطاق. معاناة لا يعرفها شعب في الأرض انهيار للخدمات، تردٍ أمني، غلاء فاحش، وجوع يقرع أبواب البيوت.
والأكثر إيلامًا أن هذا الشعب الذي صنع النهضة، يُترك اليوم يتجرع مرارة الغياب والنكران.
إن عدن اليوم ليست مجرد مدينة تحتضر، بل هي ذاكرة شرق أوسطية تُمحى، وإرث حضاري يُبدد أمام أعين العالم الصامتة.
فهل من صرخة ضمير تعيد لعروس البحر الأحمر روحها؟ أم أن قدرها أن تبقى قريةً يندب حظها التاريخ، ويبكي عليها كل من عرفها يوم كانت قبلة الأحلام؟
عدن 11 يونيو 2026م
