شبوة برس – خاص
تتجدد حالة الغضب الشعبي في الجنوب مع كل قرار يُنظر إليه باعتباره مساسًا بمحافظة الضالع، تلك الأرض التي تحولت منذ اندلاع الحرب إلى عنوان للصمود الجنوبي، ورأس حربة في مواجهة المشروع الحوثي. فالمحافظة التي دفعت أثمانًا باهظة من دماء أبنائها وخراب بنيتها، لا تزال حتى اليوم تواجه – بحسب مراقبين وسياسيين – محاولات استهداف سياسي وعسكري تستفز وجدان الجنوبيين وتفتح أبواب الأسئلة الكبرى حول ما يُدار ضد الجنوب في الخفاء.
وقد فجّر قرار تعيين العميد وجدي عبدالباقي الزبيدي قائدًا للواء 33 مدرع موجة واسعة من الجدل والاعتراض، ليس فقط بسبب طبيعة التعيين، بل لأن كثيرين رأوا فيه خطوة تتجاهل خصوصية الضالع ومكانتها الوطنية والنضالية، في وقت تتصاعد فيه المخاوف من إعادة تدوير شخصيات وقرارات تعيد إنتاج الأزمات داخل الجنوب بدل معالجة آثار الحرب وبناء الاستقرار.
فالضالع بالنسبة للجنوبيين ليست مجرد محافظة عادية، بل رمز لمعركة الكرامة الجنوبية، والمكان الذي تحطمت فيه أوهام الحوثيين لأول مرة. ومن جبالها انطلقت المقاومة التي أوقفت تمدد الجماعة وأسقطت مشروعها على أسوار الجنوب. ولهذا يشعر أبناء المحافظة أن أي قرارات تمس تركيبتها العسكرية أو تحاول فرض معادلات لا تنسجم مع تاريخها وتضحياتها، إنما تُعد استفزازًا مباشرًا لمشاعر الناس وتاريخهم النضالي.
وعلى الرغم من الحصار والدمار والسنوات الثقيلة التي عاشتها الضالع، لم تنكسر هذه المحافظة ولم تنحنِ، بل بقيت واقفة بثبات نادر، وقدمت آلاف الشهداء والجرحى دفاعًا عن الجنوب وهويته ومستقبله. ولذلك يرى أبناء الجنوب أن من الواجب تكريم الضالع ودعمها، لا الزج بها في صراعات وتعيينات تزيد الاحتقان الشعبي وتثير القلق في أكثر الجبهات حساسية.
وفي خضم هذا الجدل، تعود الأسئلة السياسية إلى الواجهة بقوة: لماذا تتحول الضالع دائمًا إلى ساحة قرارات مثيرة للغضب؟ ومن المستفيد من إبقاء الجنوب في حالة توتر دائم؟ وهل هناك أطراف لا تريد للجنوب أن يمتلك مؤسسة عسكرية قوية ومستقلة القرار؟
كما تتصاعد التساؤلات في الشارع الجنوبي حول طبيعة السياسات الإقليمية تجاه الجنوب، خصوصًا مع شعور متزايد بأن بعض القوى لا تزال تنظر إلى الجنوب كساحة نفوذ وصراعات، لا كشريك يمتلك حقه في الأمن والاستقرار وبناء مؤسساته الوطنية. ويتساءل كثير من الجنوبيين بوضوح: هل المطلوب جنوب قوي يحمي حدوده وأرضه، أم جنوب مرهق بالصراعات يبقى أسير الحسابات السياسية والتوازنات الخارجية؟
وفي السياق ذاته، تواجه ما تُسمى بـ«الشرعية» انتقادات متزايدة بسبب ما يعتبره الجنوبيون استمرارًا لسياسة إدارة الجنوب بالأزمات، عبر قرارات لا تراعي حساسية الواقع الجنوبي ولا حجم التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب في مواجهة الحوثيين والتنظيمات المتطرفة.
لكن، وبرغم كل هذه الضغوط، يؤكد الجنوبيون أن الجنوب اليوم ليس كما كان في الماضي، وأن زمن فرض الوصاية أو تمرير القرارات بمعزل عن إرادة الناس قد انتهى. فالقضية الجنوبية تحولت إلى قضية شعب كامل يدافع عن أرضه وهويته وحقه في الشراكة والكرامة والاستقرار.
وتبقى الضالع، كما يصفها الجنوبيون، قلعة عصية على الانكسار، ومحافظة لن تهزمها المؤامرات ولا التعيينات المثيرة للجدل، لأنها اختبرت الحرب والموت والحصار وخرجت أكثر صلابة وإيمانًا بقضيتها. فالجنوب الذي هزم الحوثي في الميدان، لن يسمح لأحد أن يهزمه بالقرارات أو يطعنه من الخلف، وستظل الضالع عنوانًا للشجاعة والكبرياء الجنوبي مهما اشتدت العواصف.
*- شبوة برس – 4 مايو
