أحمد عبد اللاه
كم نفيراً أعلنت الشرعية منذ أن دخل اسمها قاموس السياسة وتداولات الأخبار العالمية؟ لا أحد يكترث. فلم يستجب عامة الشعب يوماً لقيادات مهاجرة تنفر للمناصب والمكاسب، وتتعامل مع الوضع باعتباره بيئة انتقالية هشة توفر فرصاً لا محدودة للنفوذ والمصالح.
اثنا عشر عاماً تأرجحت فيها الأوضاع بين الحرب والمنطقة الرمادية، انتظاراً لسلام مؤجل أو مواجهات متجددة، فيما تاهت الأهداف بين الشعارات، وتبدلت التحالفات، وظل فصيل سياسي كبير يخوض صراعاته مع الجميع عبر الإعلام، ويوظف تعقيدات المشهد لابتزاز الداخل والخارج، حتى غدت معاركه على السلطة والنفوذ أكثر حضوراً من المواجهة على الأرض، دون أن يتردد في استحضار بعض أساليب “فداوية” حسن الصباح في حروبه الخفية…
أما التحالف، فقد ظل يدير تحالفاته وفق مقاربات متضاربة، بدءاً بتحالف دعم الشرعية، وصولاً إلى حلف مكة، بعد أن تحول حليف الأمس إلى خصم اليوم، وخصم الأمس إلى حليف اليوم، حيث تتبادل الأضداد مواقعها خارج منطقها الفلسفي، حتى كاد المرء يتيه وسط سحابة داكنة من الاحتمالات بشأن مصير البلاد ومن عليها.
قيادات الشرعية، من جانبها، قطعت مشوار الحرب في اجتماعات لا تنتهي مع السفراء والمبعوثين، الذين غالباً ما يتعاملون مع تلك اللقاءات باعتبارها استطلاعاً روتينياً للمواقف، حتى باتت جماهير الشعب تحفظ أسماء الدبلوماسيين الغربيين أكثر مما تحفظ أنواع السمك البلدي، بل إن بعض تلك الوجوه، من فرط حضورها في الأخبار، غدا نذير شؤم لدى العامة.
وبينما راكم أنصار الله قوتهم العسكرية والسياسية، ووسعوا نطاق تهديداتهم في الداخل والخارج، انشغلت الشرعية بتسيير شؤونها المعتادة في القصور والفنادق ونُزُل الضيافة، وفق هياكل النخبة الحاكمة، فأصبح لكل زعيم حصته من المناصب والمكاسب والخطابات والتفاهات، ولكل حزب نصيبه من التعيينات والحصص. ومع مرور الوقت، بدا أن إدارة التوازنات داخل الشرعية أصبحت أكثر تعقيداً من إدارة المواجهة مع خصومها.
والآن، وبعد اثني عشر عاماً من الحرب، لا يزال الخطاب السياسي أسير الحلقة ذاتها، التعبئة والحشد وتوحيد الصف، وكأن السنوات الماضية لم تكن سوى مرحلة تسخين لحرب لم تبدأ بعد، وكأن الشعب الذي دفع أثمانها الباهظة لم يستنفد بعد طاقته على التضحية والصبر.
وها هي الدعوات ذاتها يُعاد تدويرها على مسامع أنهكتها الوعود وأثقلتها الشعارات، دون أن يلوح في الأفق ما يشير إلى مراجعة حقيقية لتجربة السنوات الماضية، أو مساءلة جادة عن حصيلة الحرب وأسباب تعثر أهدافها.
ولا جديد في المشهد سوى أن حصة الجنوب من التضحية تتضاعف، رغم تشويه قضيته وإزاحة قياداته ونخبه، التي أصبحت قسراً محدودة الإقامة في بلادها، والتنكر لأدواره وتغييب هويته عن سجل التضحيات، وكأن دماء أبنائه مطلوبة في ميادين الحرب، لكنها غير مستحقة للاعتراف في حسابات السياسة، إلى حد أن مستقبله لم يعد بنداً تفاوضياً مؤكداً على أي طاولة للتسويات القادمة.
وهكذا تستمر الحرب في استنزاف التضحيات، بينما تنشغل السياسة بإعادة تدوير الشعارات، في مشهد تتراكم فيه المآسي و تزداد قتامة فصوله كلما طال أمده. فالمفارقة ليست في الدعوة إلى النفير، وإنما في أن من يقرعون أجراسه من قيادة “الشرعية” هم الأقل اكتراثاً بأثمانه، والأكثر استفادة من استمرار أسبابه، حتى باتت المسافة بين مطلقي النداء ومن يُطلب منهم تلبيته أوسع من المسافة بين الشعارات والواقع.
لقد أفرزت الحرب واقعاً سياسياً باتت فيه الأزمة نفسها مصدراً للنفوذ والمصالح، وأصبح استمرار الوضع القائم، بالنسبة إلى بعض المستفيدين منه، أقل إزعاجاً من استحقاقات إنهائه، بما تحمله تلك الاستحقاقات من مسؤوليات سياسية ووطنية، وربما مساءلات مؤجلة.
وقبل السؤال عمّن نفر، يبقى التساؤل: هل النفير امتداد لأهداف “عاصفة 2015” التي خمدت، أم لحرب الممرات وتشابك الملفات الجيوسياسية والجيو اقتصادية؟ وهل تنتهي المعارك بالعودة مجدداً إلى بورصة خرائط الطريق، أم تظل رهينة متغيرات إقليمية متعاقبة؟
احمـــــــــــدع
