في ذكرى ثورة 14 أكتوبر نقف إجلالاً واحتراماً لتضحيات الشهداء، لكن الوفاء لهم لا يعني تقديس أخطاء ما بعد الاستقلال. فالثورات لا تُقاس بانتصارها على الاستعمار فقط، بل بما تبنيه من دولة واستقرار وكرامة.
في 8 يناير 1968 قررت بريطانيا الانسحاب من عدن والجنوب ضمن خطة انسحابها من المنطقة. وكان أمام الجنوب حينها فرصة تاريخية لبناء دولة مستقلة بهويته العربية وموقعه الاستراتيجي وإمكانات عدن الاقتصادية.
لكن ماذا فعلنا بالاستقلال؟
أولاً: من حلم الدولة إلى صراع السلطة
بدلاً من بناء دولة تتسع للجميع، اختارت الجبهة القومية مساراً أيديولوجياً ضيقاً غلّب مصلحة الحزب على الدولة، فتحولت الخلافات إلى تصفيات دموية من القحطانية والسالمية وصولاً إلى مجزرة 13 يناير 1986 التي حصدت خيرة كفاءات الجنوب.
ثانياً: التأميم وتدمير عدن
طالت سياسات التأميم والمصادرة التجار والممتلكات الخاصة، فهاجرت رؤوس الأموال والكفاءات، وتحولت عدن من جوهرة الشرق الأوسط ومركز التجارة العالمي إلى مدينة مثقلة بالأزمات، رغم ما تحقق من إنجازات في التعليم والخدمات.
ثالثاً: الوحدة التي لم تحقق الشراكة
جاءت وحدة 22 مايو 1990 بأمال كبيرة، لكنها سرعان ما تعثرت، وتفاقمت اختلالاتها بعد حرب 1994 وما أعقبها من إقصاء وتهميش واستحواذ على الأرض، فتراجعت ثقة الجنوبيين بالشراكة القائمة.
رابعاً: ماذا لو اخترنا طريق الدولة؟
يمتلك الجنوب كل مقومات النهوض: الموقع البحري، ميناء عدن، المطار، والإنسان المنفتح. الفارق بين الدول المتقدمة والمتعثرة لا تصنعه الشعارات، بل جودة المؤسسات وسيادة القانون واحترام الملكية والاستثمار في التعليم.
الخلاصة:
رحلت بريطانيا وتركت دولة بمؤسساتها، وكان رحيلها بداية الاختبار الحقيقي. الوفاء للشهداء لا يكون بتبرير أخطاء الماضي، بل بالشجاعة على مراجعته، وبناء مشروع وطني جنوبي يقوم على الهوية والعدالة والتنمية وسيادة القانون، حتى لا نعيد إنتاج المآسي ذاتها بشعارات جديدة.
✍️ ناصر العبيدي
