*- شبوة برس – خاص
رصد شبوة برس ما طرحه د. عبدالله عبدالصمد، رئيس حركة تاج الجنوب، بشأن ما وصفه بازدواجية المعايير في التعامل مع القوات الجنوبية، وهي معادلة تختصر واحدة من أكثر القضايا إثارة للغضب في المشهد العسكري والسياسي: لماذا يُطلب من أبناء الجنوب القتال والتضحية في جبهات متعددة، بينما تصبح تحركاتهم موضع خلاف عندما تتصل بأرضهم ومستقبل شعبهم؟
يرى عبدالصمد أن القوات الجنوبية دفعت أثماناً باهظة في مواجهة الحوثيين، وخاضت معارك شرسة في الصبيحة وتعز والساحل الغربي، وأسهمت في معارك الوصول إلى باب المندب وتأمينه، وقدمت الشهداء والجرحى في جبهات لم تكن تضحياتها فيها موضع خلاف عندما كانت المعارك تخدم أهداف المواجهة ضد الحوثيين.
لكن المفارقة، بحسب طرحه، تظهر عندما تتجه القوات الجنوبية نحو وادي حضرموت والصحراء، مطالبة بتمكين أبناء الجنوب من إدارة أرضهم وتأمين مناطقهم؛ إذ تتغير الحسابات السياسية والعسكرية، وتبرز الصدامات والتدخلات الجوية التي استهدفت القوات الجنوبية خلال تلك المرحلة.
وهنا يضع عبدالصمد السؤال أمام القوى المعنية: كيف يكون المقاتل الجنوبي بطلاً عندما يقاتل بعيداً عن أرضه، ثم يتحول إلى مصدر خلاف عندما يتعلق الأمر بترتيبات الأمن والسيطرة على أرض الجنوب؟ وهل يُراد للقوات الجنوبية أن تظل قوة جاهزة لتقديم الدماء في كل الجبهات، من دون أن تكون لأبناء الجنوب كلمة حاسمة في مستقبل أرضهم؟
ويرى شبوة برس أن هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها بالشعارات العامة عن الشراكة والتحالف، لأن الشراكة الحقيقية لا تُقاس بحجم التضحيات التي يقدمها طرف واحد، بل بمدى احترام حقوقه وتطلعاته، وبوضوح المهام والمسؤوليات، وعدم التعامل مع القوات الجنوبية باعتبارها مجرد قوة يُستدعى دورها عند الحاجة ثم تُقيَّد إرادتها عندما تتصل المسألة بقضية شعبها.
وفي هذا السياق، يثير عبدالصمد تساؤلات عن دور القوات التابعة للشرعية، والإمكانات العسكرية الموجودة في مأرب، ومبررات استمرار وجود قوات في حضرموت والمهرة، بدلاً من توجيه القدرات العسكرية المتاحة إلى جبهات المواجهة مع الحوثيين. وهي أسئلة تتعلق بجدوى الانتشار العسكري، وأولويات المعركة، ومدى التناسب بين حجم القوات والإمكانات المعلنة والمهام المنجزة ميدانياً.
فإذا كانت مواجهة الحوثيين واستعادة المناطق الخاضعة لسيطرتهم تمثلان الهدف المعلن، فمن حق الرأي العام أن يسأل عن توزيع الأدوار، وأسباب تعثر فتح جبهات فاعلة، والكيفية التي تُدار بها الموارد العسكرية والبشرية. كما أن بقاء القوات في مناطق جنوبية يطالب أبناؤها بترتيبات أمنية وسياسية تتفق مع تطلعاتهم يفرض ضرورة معالجة الخلافات بالحوار والتفاهم، بعيداً عن التصعيد الذي يدفع السكان والمقاتلون ثمنه.
ولا يعني ذلك التقليل من تضحيات أي طرف أو الدعوة إلى فتح حروب جديدة، بل يعني أن المسؤولية العسكرية يجب أن تكون واضحة، وأن تخضع القوات لمهام محددة وأولويات قابلة للمساءلة، بدلاً من ترك العبء الميداني يتراكم على القوات الجنوبية، بينما تبقى أدوار أطراف أخرى محل تساؤل.
ويؤكد الكاتب أن حضرموت والمهرة ليستا غنيمة حرب، وأن أبناء الجنوب ليسوا قوة احتياطية مفتوحة لتلبية حسابات الآخرين. فقضية الجنوب العربي ليست تفصيلاً يمكن تأجيله إلى ما بعد انتهاء المعارك، ولا يجوز مطالبة شعب بتقديم التضحيات ثم تجاهل حقه في تقرير مستقبله السياسي.
إن أخطر ما يهدد أي شراكة عسكرية هو أن يشعر أحد أطرافها بأن دماء مقاتليه مطلوبة بلا حدود، بينما إرادته السياسية موضع اعتراض. ومن هنا، فإن معالجة هذه المعادلة تبدأ بتحديد المسؤوليات، وتوجيه القوات القادرة إلى مهامها المعلنة، واحترام خصوصية المحافظات الجنوبية، وفتح مسار سياسي جاد يعالج قضية الجنوب العربي بوصفها قضية شعب وتطلعات وطنية، لا مجرد ملف مؤجل.
ويبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة: إذا كانت مواجهة الحوثيين مسؤولية الجميع، فلماذا لا تتوزع أعباؤها بما يتناسب مع قدرات القوات وإمكاناتها؟ ولماذا يُطلب من الجنوبيين إثبات استعدادهم للتضحية في كل جبهة، بينما يظل حقهم في تقرير مستقبل أرضهم موضع تجاذب؟
الدم الجنوبي ليس شيكاً مفتوحاً، والتضحيات ليست تفويضاً دائماً للآخرين. والتحالف الذي لا يحترم إرادة شركائه يظل مهدداً بأزمة ثقة لا تعالجها البيانات، بل تعالجها المواقف الواضحة والعدالة في المسؤوليات واحترام حق شعب الجنوب العربي في استعادة دولته وتقرير مستقبله.
