وزير الخارجية الإيطالي الأسبق جوليو أندريوتي قال ذات مرة إن “الحروب تُعلنها الرغبات وتطيل أمدها الحسابات الخاطئة”، وهي الحقيقة التي تتجسد اليوم في اليمن بكامل مرارتها. إن الحرب مغامرة كارثية تُعرف بدايتها بدقة، لكن نهايتها لا يمكن لأي مخلوق على وجه الأرض أن يتنبأ بها. هذه البديهية العسكرية الغائبة هي ما يتجاهله الساسة وصُناع القرار دائماً، مستندين إلى وعود وردية يروج لها إعلام مُطبل لا يرى أبعد من مصالحه الضيقة.

في عام 2015، عندما اندلعت الحرب في اليمن ملأت الدنيا تصريحات الساسة والمحللين المقربين من دوائر القرار بأن “المسألة لن تستغرق سوى أسبوعين” لتنتهي الأزمة ويعود الاستقرار. واليوم، بعد مرور 11 عاماً من الدماء والدمار، تبخرت تلك “الأسبوعان” لتكشف عن سراب سياسي وعسكري وعن مأساة إنسانية هي الأكبر عالمياً، دفع ثمنها المواطن البسيط من قوته وأمنه واستقرار بلاده، بينما تحول النزاع إلى ثقب أسود يلتهم الحاضر والمستقبل.

الغريب في الأمر أن الذاكرة السياسية تبدو قصيرة جداً، والقدرة على إعادة تدوير الوهم لا تتوقف؛ فمع إعلان رشاد العليمي عن مايسمى “معركة استعادة مؤسسات الدولة”، عاد المعزوف ذاته ليتكرر في المشهد. خرج علينا بعض الساسة وكتبة الإعلام المطبّل بالخطاب القديم والمستهلك نفسه، مرددين بحماس زائف: “الحرب لن تطول، بالكاد أسبوعين ويتم القضاء على الحوثيين!”. وكأن العقد الماضي من النزاع لم يمنح هؤلاء أي درس في الواقعية السياسية.

بُنيت فرضية “الحرب الخاطفة” في المرتين على استخفاف واضح بطبيعة الجغرافيا المعقدة، والتركيبة القبلية المتداخلة، والامتدادات الإقليمية والدولية للصراع. اعتقد المطبّلون أن استعراض القوة وإطلاق الشعارات الرنانة كفيل بإحداث انهيار سريع للخصوم، متناسين أن الحروب حين تبدأ تكتسب ديناميكية خاصة بها، وأن هناك طبقة من “أثرياء الحرب” تولدت على هامش الصراع تتغذى على استمراره وتجني المليارات من بقاء الفوضى، وبالتالي لا مصلحة لها إطلاقاً في وضع حد للاقتتال.

تظل التجربة اليمنية درساً قاسياً؛ فالوعود السياسية بـ “الحرب السريعة والنظيفة” هي مجرد غطاء لتسويق المعارك داخلياً وخارجياً وامتصاص غضب الشارع. لقد تغيرت التحالفات والمسميات، ورحل ساسة وجاء آخرون، وبقي الشعب وحده في العراء يواجه دهر المعاناة، يدفع ثمن وعود واهية بمعارك جديدة تُفتح، بينما لم تُغلق بعد جروح المعارك القديمة التي حصدت الأخضر واليابس.