تحاول بعض المطابخ الإعلامية اليوم تقديم تعز باعتبارها بوابةً لتقرير مصير الجنوب العربي، وكأن سقوطها يعني سقوط الجنوب، متجاهلة أن للجنوب ذاكرة تاريخية مختلفة تجاه تعز، لا يمكن محوها بخطاب إعلامي عابر.

ففي ستينيات القرن الماضي برزت شخصيات سياسية من تعز كان لها حضور مؤثر في مسار الحركة السياسية التي انتهت إلى حكم الجنوب بعد الاستقلال، وفي مقدمتها عبد الفتاح إسماعيل، المولود في تعز، والذي أصبح لاحقاً أحد أبرز منظري التيار الماركسي وقادة الجبهة القومية والحزب الاشتراكي.

ومع التحول السياسي في 22 يونيو 1969، انتقل الجنوب إلى مرحلة أيديولوجية جديدة، وأصبحت الماركسية جزءاً أساسياً من مشروع السلطة والحزب، ثم دخل الجنوب في سنوات طويلة من الصراع الداخلي والإقصاء السياسي والتصفيات التي طالت قيادات وشخصيات جنوبية. وتشير المصادر التاريخية إلى أن الصراع بين أجنحة الحكم لم يكن سياسياً سلمياً، بل شهد إعدامات وتصفيات وانقلابات متعاقبة، وصولاً إلى أحداث 13 يناير 1986 الدامية التي خلّفت آلاف القتلى من القيادات والكادر الحزبي.

ومن هنا فإن الذاكرة الجنوبية لا تستطيع التعامل مع تلك المرحلة باعتبارها مجرد تجربة سياسية انتهت، فقد تركت وراءها ضحايا من العسكريين والسياسيين والقضاة ورجال الأمن والمثقفين والشخصيات الاجتماعية، وخلّفت جراحاً لم تندمل آثارها بالكامل.

ولهذا فإن محاولة بعض الإعلاميين اليوم ربط مصير الجنوب العربي بمصير تعز تبدو أكثر استفزازاً للذاكرة الجنوبية؛ فالجنوب ليس امتداداً لمعركة تعز، وليس رهينةً لجبهة خارج أرضه، ولا يحتاج إلى شهادة من أي مدينة يمنية لتحديد مستقبله.

شبوة برس يرى أن للجنوب العربي قضية وشعباً وقوات وإرادة، وأن استحضار تعز في كل مرة لتخويف الجنوبيين من مصير مجهول لن يغيّر حقيقة أن الجنوب سيدافع عن أرضه بإرادته، بعيداً عن مشاريع الماركسية القديمة، وعن زمن التصفيات السياسية التي دفعت ثمنها أجيال جنوبية كاملة.