*- شبوة برس – خاص
تكشف وثائق ومحاضر اجتماعات ومؤتمرات تعود إلى خمسينيات وستينيات القرن العشرين عن وجود تيار سياسي وأهلي حضرمي شارك بصورة مباشرة في مشروع توحيد الجنوب العربي وإنهاء الاستعمار البريطاني، خلافاً لما يذهب إليه بعض الطروحات التي تصور الموقف الحضرمي قبل الاستقلال باعتباره محصوراً في مشروع سياسي خاص بحضرموت.
ولا تعني هذه الوثائق أن جميع الحضارم أو جميع سلاطين حضرموت كانوا يتبنون الموقف نفسه، وإنما تثبت وجود شخصيات وتنظيمات وهيئات حضرمية شاركت في المشروع السياسي الجنوبي الموحد.
شيخان الحبشي.. صوت حضرمي في مشروع الجنوب العربي
يبرز اسم السياسي الحضرمي شيخان عبدالله الحبشي بصورة خاصة في هذه الوثائق؛ فقد كان الأمين العام لرابطة أبناء الجنوب العربي، وهي تنظيم سياسي كان يطرح قضية استقلال الجنوب العربي وإنهاء الاستعمار البريطاني.
وتوثق دراسة منشورة في مجلة جامعة حضرموت للعلوم الإنسانية أن الحبشي زار تريم في ديسمبر 1964 بصفته الأمين العام للرابطة، واجتمع بالهيئات الأهلية في المدينة يوم 31 ديسمبر، وجرى خلال اللقاء بحث تشكيل هيئة عليا تضم عدداً من الجمعيات والنوادي، على أن تعمل على تحقيق المطالب السياسية والتجمع الوطني للهيئات الشعبية في حضرموت ثم توسيعه إلى بقية مناطق الجنوب.
وهذه الوثيقة مهمة لأنها لا تتحدث عن نشاط سياسي في عدن فحسب، وإنما توثق اتصالاً مباشراً بين قيادة رابطة الجنوب العربي والهيئات الأهلية في قلب حضرموت.
تريم.. من النشاط المحلي إلى القضية الجنوبية
تكشف المصادر المتعلقة بالنشاط الأهلي في تريم أن جمعية العمال بتريم كانت تنظر إلى عمال حضرموت باعتبارهم جزءاً من الحركة العمالية في الجنوب الواقع تحت الاستعمار البريطاني.
وتشير الوثائق المنشورة إلى أن الجمعية شاركت في اجتماعات الهيئات الوطنية في تريم عام 1964 بحضور شيخان الحبشي، كما تابعت قضية الجنوب العربي ومنظمة تحرير الجنوب ومؤتمر لندن الدستوري.
والأكثر دلالة أن الجمعية نشرت موقفاً رافضاً للمقترحات الدستورية التي أعدتها بريطانيا لما سمته «دولة الجنوب العربي»، وطالبت بأن يضع الشعب نفسه دستوره من خلال جمعية تأسيسية منتخبة.
المؤتمر الوطني للجنوب المحتل في القاهرة 1964
وفي 5 يوليو 1964 عُقد في القاهرة، برعاية جامعة الدول العربية، مؤتمر وطني للجنوب المحتل شاركت فيه قوى سياسية وهيئات وشخصيات من مناطق الجنوب.
ومن بين المشاركين المؤتمر الشعبي بحضرموت إلى جانب رابطة أبناء الجنوب العربي وحزب الشعب الاشتراكي والاتحاد الشعبي الديمقراطي وعدد من الشخصيات والسلاطين.
وتوضح المصادر أن المشاركين اتفقوا على توحيد الموقف في مواجهة الاستعمار، ثم وقعوا في 30 يوليو 1964 ميثاقاً وطنياً نص على إنشاء مجلس تنسيق يمهد لقيام تكتل وطني في الجنوب.
وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأن المؤتمر الشعبي بحضرموت لم يكن مجرد تجمع محلي بعيد عن القضية الجنوبية، بل شارك باسمه في مؤتمر وطني للجنوب المحتل.
مؤتمر أسمرة 1966.. وثيقة أكثر وضوحاً
أما الدليل الأكثر صراحة في موضوع وحدة الجنوب العربي فيأتي من مؤتمر أسمرة المنعقد في مارس 1966.
فقد انعقد المؤتمر في أسمرة بين 26 و30 مارس 1966، بدعوة من السياسي الحضرمي حسين سالم باوزير ممثل التجمع الوطني المستقل، وشارك فيه عدد من أبرز الشخصيات السياسية الجنوبية.
ومن بين المشاركين:
حسين سالم باوزير – حضرموت.
شيخان الحبشي – حضرموت.
عبدالله الجابري.
إلى جانب محمد علي الجفري، وعلي عبدالكريم العبدلي، ومحمد بن بوبكر بن فريد وشخصيات جنوبية أخرى.
والوثيقة المنشورة عن المؤتمر تنص بصورة مباشرة على أن المطالب الأساسية للشعب تتلخص في «وحدة الجنوب العربي» والاستقلال ونقل السيادة إلى شعبه وإطلاق الحريات الديمقراطية وضمان حقوق الإنسان.
كما تناول المؤتمر مشروع الدستور المقترح لـ «جمهورية الجنوب العربي المتحدة»، ورفض أن تفرض بريطانيا دستوراً على الشعب، وطالب بأن يكون وضع الدستور من اختصاص جمعية تأسيسية منتخبة انتخاباً حراً.
وهنا لا نتحدث عن تفسير لاحق لموقف السياسيين، بل عن وثيقة مؤتمر تحمل أسماء المشاركين وتحدد صراحة «وحدة الجنوب العربي» باعتبارها أحد المطالب الأساسية.
ماذا يعني ذلك بالنسبة للموقف الحضرمي؟
الوثائق المتاحة تسمح بالوصول إلى نتيجة تاريخية محددة:
كان هناك بالفعل تيار سياسي وأهلي حضرمي شارك في مشروع وحدة الجنوب العربي والاستقلال عن بريطانيا قبل عام 1967.
ويظهر ذلك من خلال ثلاثة مستويات متداخلة:
أولاً: مشاركة تنظيم حضرمي هو المؤتمر الشعبي بحضرموت في المؤتمر الوطني للجنوب المحتل بالقاهرة عام 1964.
ثانياً: نشاط هيئات أهلية في تريم واتصالها المباشر بقيادة رابطة الجنوب العربي، وعلى رأسها شيخان الحبشي.
ثالثاً: مشاركة شخصيات حضرمية بارزة، وفي مقدمتها شيخان الحبشي وحسين سالم باوزير، في مؤتمر أسمرة عام 1966 الذي نص صراحة على وحدة الجنوب العربي واستقلاله.
وماذا عن عمر سالم باعباد؟
ينبغي هنا عدم الخلط بين المشاريع.
فالمصادر التي تناولت نشاط عمر سالم باعباد توثق أنه أسس المؤتمر الشعبي في حضرموت عام 1963، وكان من أهدافه التحرر من الاستعمار وإطلاق الحريات السياسية والمدنية، كما كان يدعو إلى توحيد دولتي حضرموت القعيطية والكثيرية.
لكن الوثائق التي عثرنا عليها في هذا البحث أوضح في إثبات موقف شيخان الحبشي وحسين سالم باوزير من وحدة الجنوب العربي من إثباته بالنسبة إلى باعباد.
ولذلك، فإن نسبة مشروع «وحدة الجنوب العربي» إلى باعباد تحديداً تحتاج إلى العثور على نص أصلي من ميثاقه أو خطاباته أو محاضر مؤتمرات شارك فيها، وليس مجرد الاستناد إلى كونه ناشطاً حضرمياً مناهضاً للاستعمار.
الخلاصة
إن القول إن «الحضارم كانوا خارج مشروع وحدة الجنوب العربي» لا يتفق مع الوثائق التي تثبت مشاركة شخصيات وتنظيمات وهيئات حضرمية في الحركة السياسية الجنوبية قبل الاستقلال.
وفي المقابل، لا يصح القول إن «جميع الحضارم أو سلاطين حضرموت كانوا مع وحدة الجنوب العربي»؛ فالمشهد السياسي الحضرمي كان متنوعاً، وكانت هناك أيضاً مشاريع ومواقف تركز على خصوصية حضرموت واستقلال سلطنتيها.
والثابت وثائقياً هو أن تياراً حضرمياً سياسياً وأهلياً كان جزءاً من المشروع الوطني الجنوبي المطالب بالاستقلال والوحدة، وأن أسماء حضرمية بارزة شاركت في مؤتمرات جنوبية رسمية وسياسية، وصولاً إلى مؤتمر أسمرة عام 1966 الذي حدد «وحدة الجنوب العربي» صراحة ضمن المطالب الأساسية.

