يُعدّ مضيق باب المندب الشريان الحيوي الذي يربط الشرق بالغرب، والممر الرئيسي لنحو 12% من حركة التجارة العالمية ووصول إمدادات الطاقة إلى أوروبا وآسيا.
إلا أن التطورات الأخيرة وسيطرة جماعة الحوثي على مواقع استراتيجية مثل مدينة المخا وجزيرة ميون، نقلت المضيق من تصنيف الممر المائي الآمن إلى مربع المأزق الجيوسياسي المعقد .. حيث غدا المضيق صورياً بيد الحوثيين بينما تقع خيوط السيطرة الفعلية والعملياتية في يد إيران.
تتحكم طهران في المشهد عبر تزويد الحوثيين بأسلحة تكنولوجية رخيصة التكلفة وعالية التأثير تشمل الصواريخ الباليستية والمجنحة والمسيرات معتمدة على طبيعة التضاريس الجبلية الشاهقة لمحافظة تعز المطلة على الساحل الغربي لليمن.
هذه الجغرافيا الصخرية والوعرة تمنح الجماعة ميزة “السيطرة بالنيران والرصد”، مما يجعل تحييد قدراتهم عبر الضربات الجوية التقليدية أمراً شبه مستحيل، ويحمي منصاتهم من القوة البحرية النظامية.
في المقابل أثبتت “عسكرة المضيق” عبر نشر البوارج والتحالفات الدولية ﴿مثل عملية حارس الازدهار﴾ أنها حلّ دفاعي مؤقت عاجز عن فرض الاستقرار المستدام؛ بل إنها رفعت من كلفة الشحن وأجبرت شركات الملاحة على الدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما فاقم الضغوط التضخمية العالمية وأسعار الطاقة.
تأتي الدول المشاطئة للبحر الأحمر في مقدمة المتضررين؛ إذ تواجه مصر خسائر حادة تقترب من 800 مليون دولار شهرياً نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس.
كما تجد المملكة العربية السعودية أمنها القومي ومنشآتها الحيوية تحت التهديد المباشر، مما دفع القوى الإقليمية لرفض الابتزاز الحوثي، وتكثيف التنسيق الاستراتيجي لبناء تحالفات رادعة وتفعيل قنوات اتصال سيادية لرسم خطوط حمراء واضحة حمايةً لأمن الطاقة.
إن حل أزمة باب المندب لن يمر عبر الحلول العسكرية التقليدية أو الاستسلام لمنطق القرصنة والابتزاز، بل يتطلب إرادة دولية موحدة ترفع كلفة السلوك الإيراني، وتدعم استعادة المكونات المحلية الشرعية ممثله في “القوات الجنوبية” للسيطرة على باب المندب، لانتزاع مفاتيح هذا الشريان العالمي من أيدي المليشيات وإعادته لحاضنة القانون الدولي.