*- شبوة برس – خاص

لم يعد مقبولًا أن يُطلب من أبناء الجنوب العربي خوض المعارك وتقديم التضحيات تحت شعار “قاتلوا معنا اليوم وحقوقكم نناقشها غدًا”، وكأن دماء الشباب الجنوبي ورقة مؤجلة على طاولة المساومات السياسية.

أبناء الجنوب ليسوا ذخيرة احتياطية لأي طرف، ولن يكونوا وقودًا لحروب الآخرين، ثم يُطلب منهم الانتظار حتى تقرر القوى السياسية اليمنية مصير حقوقهم وقضيتهم.

لقد كشفت التجارب المريرة أن الوعود السياسية غير الملزمة لا تصنع حقوقًا، وأن من يطلب من الجنوبيين القتال قبل الاعتراف بحقوقهم، إنما يريد استخدام القوة الجنوبية ثم إعادة إنتاج المعادلة القديمة بعد انتهاء المعارك.

السياسة اليمنية تجاه الجنوب أثبتت، طوال العقود الماضية، أنها تقوم على المناورة وإظهار ما لا تبطن، وعلى محاولة احتواء القضية الجنوبية بالشعارات والوعود المؤجلة. وما حدث بعد الوحدة وحرب 1994 وما تلاها من إقصاء وتهميش، لا يمكن محوه بتصريحات إعلامية جديدة.

وفي عدوان 2015، لم ينتظر شباب الجنوب ضمانات من أحد عندما تعرضت مدنهم وقراهم للغزو، بل وقفوا في الصفوف الأولى، بأقدام حافية وصدور عارية، وقدموا تضحيات جسيمة، وشارك في المقاومة شباب مصابون بإعاقات جسدية، ومع ذلك تمكنت المقاومة الجنوبية من كسر جحافل الغزو وإفشال مشروع إخضاع الجنوب بالقوة.

ولهذا، فإن محاولة إعادة إنتاج المعادلة نفسها اليوم تحت عناوين جديدة لن تنطلي على شعب الجنوب، الذي دفع ثمنًا باهظًا من الدماء والأرض والكرامة.

والرسالة واضحة: لا تطلبوا من أبناء الجنوب أن يقاتلوا نيابة عنكم ثم تقولوا لهم بعد انتهاء الحرب: انتظروا، سنناقش حقوقكم.

الحقوق لا تكون مكافأة على القتال، والقضية الجنوبية ليست منحة سياسية يمنحها طرف يمني متى شاء، ولا ملفًا يمكن تأجيله حتى إشعار آخر.

إن من يريد من القوات الجنوبية أن تكون في مقدمة المواجهة، عليه أن يدرك أن أبناء الجنوب أصبحوا أكثر وعيًا بتجارب الماضي، وأن دماءهم ليست شيكًا على بياض، وأن أي حديث عن شراكة سياسية لا يبدأ بالاعتراف بحقوق الجنوب هو مجرد إعادة تدوير للوعود القديمة.

ومن موقع صاحب المظلومية، فإن الموقف واضح: قاتل أبناء الجنوب دفاعًا عن أرضهم عندما تعرضت للعدوان، ولم يتخلوا عن قضيتهم رغم الحروب والمؤامرات، ولن يقبلوا اليوم أن يتحولوا إلى قوة عسكرية تُستدعى عند الحاجة، ثم تُهمش قضيتهم عندما تنتهي المعارك.

فلا حياد في قضية وطنية يرى أصحابها أنهم تعرضوا للظلم والإقصاء، ولا يجوز أن يتحول “الحياد الصحفي” إلى مساواة بين الضحية ومن يطلب منها أن تقدم المزيد من التضحيات.

الجنوب يريد ضمانات وحقوقًا واضحة، لا وعودًا مؤجلة، ويريد أن يكون حاضرًا في تقرير مستقبله، لا أن يُطلب منه القتال اليوم على أمل أن يبدأ التفاوض على حقوقه غدًا.