في الحروب المعاصرة لم تعد المعركة تقتصر على فوهات البنادق في المتارس، بل أصبحت إدارة المعلومة وصناعة الصورة سلاحاً استراتيجياً لا يقل أهمية عن العتاد العسكري.
في المشهد اليمني تتجلى مفارقة صارخة بين تيارين إعلاميين:
– إعلام مايسمى “الشرعية” والتحالف، القائم على التهويل العشوائي والذباب الإلكتروني.
– شبكة “الإعلام الموجه” والمنظم والمنضبط للمليشيات الحوثية.
هذا التباين يفضح كيف تحول التضليل الرقمي إلى أداة للتغطية على الفشل الميداني والسياسي.
يعتمد أنصار مايسمى “الشرعية” والتحالف على جيوش إلكترونية ومنصات تفتقر للمركزية والرقابة، وتلجأ باستمرار لأسلوب “البروباجندا اللحظية”.
تكمن فائدة هذا التضليل المتعمد للشارع في محاولة صناعة نصر معنوي وهمي يومي يهدف إلى امتصاص الاحتقان الشعبي المتزايد ضد القيادات القابعة في الفنادق وتبرير استمرار التمويل والدعم الخارجي.
لكن هذا الضجيج الرقمي المبني على معارك وهمية واستعادة تباب سرعان ما تنكشف الحقائق بزيفها، أدى إلى فجوة ثقة عميقة بين الشارع وهذا الإعلام، وتحول التحشيد العاطفي غير الواقعي إلى ارتداد نفسي سلبي أحبط المقاتلين والمواطنين على حد سواء.
في المقابل يدير الحوثيون منظومتهم الإعلامية كجزء لا يتجزأ من غرفة العمليات العسكرية الخاضعة لرقابة صارمة وموجهة.
يتميز هذا الإعلام بالانضباط والحصافة التكتيكية؛ فهو لا يعتمد على الصخب الفوري، بل يفضل الصمت والتكتم الشديد عند التعرض للهزائم أو خسارة المواقع لتجنب انهيار معنويات حواضنه.
وعند تحقيق تقدم لا يتحدث إلا بالدلائل والأرقام والصور الموثقة بدقة، مما يمنحه مظهر المصداقية والثقة أمام الرأي العام.
الحوثيون لا يستهلكون خطاباتهم في مناوشات مواقع التواصل بل يربطون رسائلهم الإعلامية بالعناوين السياسية الكبرى لفرض أنفسهم كسلطة أمر واقع قادرة على التحكم بالمشهد الإستراتيجي، وهو ما يفتقده الجانب الآخر.
إن المقارنة بين التهويل الرقمي العشوائي والتوثيق الصوري المنظم، تثبت أن صناعة الوهم على منصات التواصل الاجتماعي لا تغير الحقائق على الأرض.
لقد هزم واقع الميدان زيف المانشيتات وبات واضحاً أن الطرف الذي يمتلك مركزية القرار والقدرة على توظيف المعلومة إعلامياً وسياسياً يتفوق بمراحل على من يعيش على صخب الفضاء الافتراضي لإثبات وجود سياسي وعسكري مفقود في الواقع
