*- شبوة برس – خاص
لم تعد عبارة “استعادة الدولة” التي تتكرر في خطاب ما يسمى بالشرعية تقنع أحداً أمام الحقائق التي صنعتها سنوات الحرب. فالمشروع الذي بدأ بشعار القضاء على انقلاب الحوثيين واستعادة مؤسسات الدولة انتهى إلى واقع ممزق، سلطات متعددة، منظومات مالية متباينة، ومناطق تدار خارج سلطة المركز، بينما بقيت بيانات الشجب والاستنكار هي السلاح الأكثر حضوراً في جبهات الشرعية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: إذا كانت استعادة الدولة هي الهدف، فأين هي الدولة التي يجري الحديث عنها؟
لقد قاتل الجنوبيون على الأرض، وحرروا محافظاتهم بدمائهم، وتقدموا شمالاً حتى وصلت القوات الجنوبية إلى مشارف الحديدة، قبل أن تتوقف المعركة بأوامر سياسية، لتبدأ بعدها مرحلة “إعادة التموضع” التي تحولت عملياً إلى تجميد للمعركة، وفتح الباب أمام تكريس واقع الانقسام.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد هناك دولة واحدة بالمعنى الفعلي. هناك سلطات أمر واقع، وأنظمة مالية مختلفة، واقتصادات متوازية، ومناطق تتصرف بقراراتها وإيراداتها بعيداً عن المركز. ومع ذلك، يُطلب من الجنوب وحده أن يظل ملتزماً بشعارات الوحدة والدولة والجمهورية، وكأن المطلوب منه أن يقدم الأرض والثروة والدم، بينما تُوزع مكاسب “الشرعية” بين قوى فقدت معظم جغرافيتها في اليمن.
المفارقة الأكثر إثارة للسخرية أن بعض القوى التي ترفع راية الدولة من المنابر، لا تلتزم عملياً بمنظومتها المالية، ولا تسلم إيرادات مناطقها إلى المؤسسات المركزية في عدن، لكنها تتحول إلى أشد المدافعين عن “الوحدة” عندما يتعلق الأمر بثروات الجنوب وموارده.
ومن هنا تبدو القضية أكثر وضوحاً: المشكلة ليست في علم أو نشيد أو اسم الجمهورية، وإنما في المصالح التي تختبئ خلف هذه الشعارات. فهناك من يريد دولة حين تكون الدولة طريقاً إلى النفوذ، ويرفض الدولة حين تفرض عليه تسليم الإيرادات أو الخضوع للمؤسسات.
أما الجنوب، الذي دفع فاتورة الحرب وحرر أرضه بدماء أبنائه، فمن حقه أن يسأل: لماذا يُطلب منا الدفاع عن دولة لم تعد قائمة إلا في الخطاب؟ ولماذا تتحول تضحياتنا إلى مكتسبات لآخرين؟
إن استمرار هذا التناقض لن يعيد الدولة، بل سيعمق الانقسام. والحل ليس في المزيد من الشعارات، وإنما في الاعتراف بالواقع السياسي، واحترام إرادة شعب الجنوب وحقه في تقرير مستقبله بعيداً عن الوصاية والمزايدات.
