بقلم/عبدالله سعيد القروة
مجلس نواب خارج نطاق الدستور والزمن
تحول مجلس النواب اليمني إلى واحدة من أكبر المعضلات الدستورية والسياسية في تاريخ البلاد؛ حيث يُصر المتشبثون بامتيازاته على إضفاء صفة “الشرعية” على كيان تشريعي مات سريرياً وعفى عليه الزمن، متجاوزين أبسط القواعد القانونية والواقعية التي تُبنى عليها شرعية المجالس النيابية في العالم.
*عقدان من الجمود وسقوط الشرعية الزمنية:
الدستور اليمني صريح في تحديد عمر الدورة البرلمانية بست سنوات فقط غير أن المجلس الحالي انتُخب في أبريل 2003، مما يعني أنه يستمد وجوده من انتخابات جرت قبل أكثر من 23 عاماً. هذا التمديد اللانهائي بذريعة الظروف الاستثنائية حوّل البرلمان من مؤسسة تُمثل إرادة الشعب إلى “نادٍ للمسنين” المعينين بالأمر الواقع والذين فقدوا أي تفويض شعبي أو صلة ديموغرافية بالناخبين الذين مات أو قتل جيل كامل منهم ودخل جيل جديد دون أن يرى صندوق اقتراع واحد.
*تفتت الكتل وسقوط النصاب القانوني:
من الناحية الدستورية لا يمكن لأي مجلس نواب أن يمارس مهامه أو يمرر قرارات سيادية مثل إقرار النفير والتعبئة العامة دون توفر النصاب القانوني (النصف زائد واحد) في جلسات علنية كاملة الشروط. والواقع الميداني يؤكد استحالة تحقيق ذلك، فالبرلمان منقسم بشكل رأسي:
*كتلة المتحوثين في صنعاء:
وهي الكتلة القابعة تحت سيطرة جماعة الحوثي ويرأسها يحيى الراعي (الرئيس التاريخي للمجلس منذ 2003). هذه الكتلة تُتهم بأنها تحولت إلى مجرد أداة لتمرير سياسات سلطة الأمر الواقع في الشمال، فضلاً عن فقدانها للنصاب الفعلي بسبب الوفيات والمغادرات ومحاولتها ملء المقاعد بـ”انتخابات تكميلية” غير معترف بها.
*كتلة مايسمى “الشرعية” :
وهي الكتلة المقيمة في المنافي والعواصم الخارجية، والتي اختارت سلطان البركاني رئيساً لها في جلسة “يتيمة ومشكوك في نصابها” عُقدت في سيئون عام 2019. ومنذ ذلك الحين عجزت هذه الكتلة عن الاستقرار أو الانعقاد في مكان في اليمن نتيجة الرفض السياسي والأمني لتتحول إلى “برلمان افتراضي” يجتمع عبر تطبيق (زوم) لإصدار بيانات التأييد والمباركة.
*غياب المشروعية السياسية والواقعية:
إن إصرار رشاد العليمي على نيل مصادقة هذا البرلمان المشظى على قراراته العسكرية يراه مراقبون محاولة بائسة للاحتماء بغطاء كان دستوري وأصبح مهترئ. فالشعب يرى في هذا المجلس كياناً غير شرعي، لا يملك سلطة رقابية على الحكومة، ولا قدرة له على محاسبة الفساد، وأعضاؤه يتقاضون رواتب ومخصصات ضخمة بالعملة الصعبة بينما يعيش المواطن تحت وطأة الجوع وانهيار الخدمات الأساسية.
زبدة القول، يظل البرلمان اليمني بكتلتيه كياناً فاقداً للمشروعية الشعبية والدستورية، فالشرعية لا تُمنح عبر شاشات الإنترنت والزوم، ولا باستدعاء نصوص قانونية جرى تفصيلها قبل عقدين، بل تولد من صناديق الاقتراع والالتزام بالدستور والالتحام بمعاناة الناس على الأرض، وهو ما يفتقده تماماً هذا المجلس الذي أصبح جزءاً من الأزمة وليس أداة لحلها.
ش
