تحول منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة الذي أُسِّس ليكون مظلة للحوار الدولي وحفظ سيادة الدول إلى مسرح يستعرض فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب غطرسته السياسية ونزعته الاستعلائية.
ففي خطابه الأخير واصل ترمب ممارسة “البلطجة الدبلوماسية” والتهريج السياسي عبر توجيه تهديدات مباشرة لدول ذات سيادة وأعضاء كاملة العضوية في المنظمة الدولية، مستخفاً بالقوانين والأعراف التي تحكم العالم.
إن استهداف ترمب العنيف لدول مثل إيران وكوبا، ووصفه للأخيرة بـ “الدولة الفاشلة” مهدداً بتغيير نظامها يمثل ذروة العجرفة والتدخل السافر في شؤون الآخرين.
لكن السؤال الجوهري هو: ماذا يريد ترمب بالضبط من هذه الدول؟ الإجابة تكمن في عقليته التجارية؛ فهو لا يبحث عن نشر الديمقراطية أو الاستقرار، بل يتبع سياسة “الضغط الأقصى” لإنهاك هذه الدول اقتصادياً وعسكرياً، لإجبارها في النهاية على الجلوس إلى طاولة المفاوضات لتقديم تنازلات كبرى وصياغة “صفقات مجحفة” تُظهر أمريكا في ثوب المنتصر، وتخدم أجندته الانتخابية والداخلية بشكل أساسي.
ولا تقف البلطجة عند هذا الحد، إذ لا يزال في عقل هذا الرجل قائمة طويلة من الدول التي يطمح لممارسة الابتزاز والبلطجة عليها لتثبيت الهيمنة الأمريكية.
فبالإضافة إلى محاولاته المستمرة لتقويض استقلال دول القارة اللاتينية والتحكم بمصائرها كما جرى سابقاً في فنزويلا، يضع ترمب نصب عينيه الحلفاء والخصوم على حد سواء؛ فهو يواصل الضغط على الدول الأوروبية لابتزازها مالياً ودفعها لتمويل ميزانيات الدفاع، ويمارس ضغوطاً تجارية واقتصادية خانقة على دول آسيوية وأفريقية ناشئة لفرض الإرادة الأمريكية وإعاقة أي تقارب مستقل بينها وبين القوى الدولية المنافسة.
إن خطابات ترمب الاستعراضية لا تعكس قوة حقيقية بقدر ما تعكس رغبة في تحويل السياسة الدولية إلى حلبة مصارعة يحكمها منطق القوة والغاب.
هذا الاستخفاف المتكرر بسيادة الدول وأمن الشعوب لن يقود العالم إلى السلام الذي يدعيه، بل يدفع بالمنظومة الدولية نحو مزيد من التوتر، ويثبت يوماً بعد يوم أن “البلطجة” باتت هي المحرك الأساسي لسياسة واشنطن الخارجية في عهده.
